الأصول وعرفوا عللها، أما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقِدَت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخَلَ الدَّخَلُ على الحاكم في تصرفه في المستدرك. [1]
بماذا يعتذر هنا الإمام الذهبي عن الحاكم؟
يعتذر بأكثر من عذر؛ عذرين تقريبًا:
العذر الأول: طول الأسانيد، وأنه جاء في زمن قد طالت فيه الأسانيد طولًا يزيد عما وقع في زمن البخاري ومسلم ومن كان في عصرهما، ولا شك أن هذا صحيح، فالحاكم ولد سنة ثلاثمائة وواحد وعشرين كما ذكرنا، وابتدئ سماعه من فترة مبكرة صحيح، لكن غالب شيوخه هم من عاشوا في أواسط القرن الرابع الهجري، فبينه وبين طبقة البخاري ومسلم قرابة قرن من الزمان، وأما بينه وبين طبقة شيوخ البخاري ومسلم فأكثر من ذلك.
فالمقصود أن طول الإسناد لا شك أنه سيؤدي إلى صعوبة نقد الحديث من عدة وجوه:
الأمر الأول: إذا طال الإسناد كثر عدد الرواة؛ وهذا يستلزم أن نعرف درجة كل هؤلاء الرواة جرحًا وتعديلًا، فإذا كان الرواة الذين يَخْبُرهم البخاري مثلًا لنقل مثلًا أنهم ثلاثون ألفًا، فالذين يحتاج أن يَخْبُرهم الحاكم سيكونون تقريبًا ستين ألفًا أو أكثر؛ أن يعرف أحوال ما يقارب ستين ألفًا من الرواة حتى يعرف هل هم مقبولون أو غير مقبولين؟ نعم هو التزم برجال الشيخين، لكن عنده طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، ويحتاج أيضًا فيه من البحث؛ هذه نقطة تحتاج إلى بيان عذر الحاكم فيها.
الأمر الثاني: أنه كلما طالت الأسانيد وابتعد زمن النبوة، ازدادت الأسانيد تشعبًا وانتشارًا، وزيادة تشعبها وانتشارها يؤدي إلى ظهور وجوه في الاختلاف في الرواية في السند والمتن لم تكن موجودة في العصور السابقة، فإذا كان مثلًا اختلف الرواة فيما سبق على وجهين، فإذا امتد الزمن الأوهام والأخطاء ستزيد هذين الوجهين إلى وجوه أخرى، وتضيف وجوهًا جديدة في الوهم والخطأ، فكلما انتشر الإسناد وتشعب الإسناد أدى ذلك إلى زيادة الاختلاف فيه.
ثم طول الإسناد أيضًا: يؤدي إلى زيادة احتمالات الوهم في هذا الإسناد، ولذلك قدم المحدثون العالي من الحديث على النازل؛ الحديث العالي: الذي قَلَّ عدد رجال إسناده، والحديث النازل: الذي كثر عدد رجال إسناده، لما قدَّم المحدثون العالي على النازل؟ قالوا: لقلة احتمالات الوهم في ذلك الإسناد؛ لأنه إذا كان كل راوٍ ثقة يحتمل منه أن يقع الوهم، فمعنى ذلك أن الرواة الثقات - إذا كان في
(1) الموقظة ص 46.