ويبقى ثقةً لأنها تكون من باب الوهم والخطأ، فنرد منه هذا الوهم ويبقى الراوي كما هو ثقة، هذا الأصل فيمن وثقه هؤلاء الأئمة، ولو وجدنا له حديثًا منكرًا وكم من راوٍ ثقة، بل من الحفاظ استنكر عليه العلماء أحاديث وردوها عليه، ولم يقبلوها وبقي ثقةً عندهم يحتجون به فيما سوى تلك الأحاديث اُستنكِرَت وَرُدَت عليه، فليكن هذا الراوي من قبيل أولئك الرواة، فالمقصود أن توثيق هؤلاء العلماء لا شك أنه مُعتمد إذا لم يُخالفوا، إذا لم يجد، ما أحدًا يخالفهم، أما إذا اختلفوا فلا شك أننا نلجأ عندها إلى المرجحات والأدلة والقرائن ولربما رجحنا توثيق الراوي ولربما رجحنا ضعفه، فحالهما كحال غيرهما من الأئمة، بل هما أي ابن معين والنسائي من أشد العلماء تحريًا وتثبتًا في باب الجرح والتعديل حتى عُدا من المتشددين في التعديل كما تعرفون، وكلاهما أيضًا من كبار أئمة النقد، أما ابن معين فهو إمام الجرح والتعديل على الإطلاق، ولذلك لا يصح أن يُوجه إلى منهج ابن معين نقد؛ هو إمام الجرح والتعديل فأن ينبغي أن تؤخذ قواعد الجرح والتعديل من هذا الإمام لأنه قمة هذا الهرم، فلا يصح أن ننتقد المنهج الذي سار عليه ابن معين في الجرح والتعديل.
إذا انتقدته فكأني أنتقد من دونه، وكل من سوى ابن معين فهو دونه في الجرح والتعديل كما نص على ذلك الإمام أحمد عندما قال: هو أعلمنا بالرجال، وكما نصَّ على ذلك أبو داود عندما قال: إن ابن معين هو أعلم الثلاثة - لمَّا سئل عن أحمد، ويحيي، وعلي بن المديني- قال أعلمهم بالرجال يحيي، وأعلمهم بالعلل علي بن المديني، وأعلمهم بالفقه - بفقه الحديث - أحمد بن حنبل، لذلك لا نقبل نقد منهج لابن معين، أما أن تنتقد راويًا وثقه ابن معين أو ضعفه وخولف في ذلك فهذا خلاف جزئي يُباح لك أن تفعل هذا الأمر؛ لأن حصول الوهم في مثل هذه الأمور أمر مُتصور، أما أن يحصل له وهم منهجي وهو إمام الجرح والتعديل هذا لا يمكن أن يَصح؛ لأن هذا خلاف منهج سيتطرق أو سيؤدي إلى أخطاء كثيرة جزئية، فكيف يخطئ كثيرًا ثم يوصف بأنه إمام جرح وتعديل هذا لا يمكن.
السؤال السادس: يقول: ما هو تفسير كلام ابن حبان في الإمام أبي حنيفة؟
ليس ابن حبان أول من يتكلم في أبي حنيفة رحمه الله فقد تكلم فيه غيره من المحدثين، ولابن حبان اجتهاده ورأيه وقد أبداه بكل صراحة وجرأة وشجاعة في كتابه المجروحين، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس هو في ذلك بمنفرد دون بقية أهل الحديث، فأكثر أهل الحديث على تضعيف أبي حنيفة في باب الرواية.
ننتقل إلى كلامنا عن ابن حبان، وكنا ذكرنا بالأمس آخر ما توقفنا عنده:
الكلام عن المختلطين.