الصفحة 176 من 306

فهنا يصرح ابن حبان إلى أن ترك رواية الداعية لا لأنه يستحق أن تُتْرَك روايته، بل قد يكون ثقة، ولكن أولًا: من باب الاحتياط.

ثانيًا: من أجل ألا يجعل الرواية عنه سببًا لانتشار بدعته والاشتهار ولأن يُقصد ويصبح كأنه إمام، فيؤدي ذلك إلى بَثِّهِ البدعة بين الناس، ولذلك صرح بعض الأئمة كابن دقيق العيد في مثل هذه الصورة - حتى نعرف ما هو محل النزاع -: لو وجد المحدِّث راويًا مبتدعًا داعية انفرد بسنة وهو يثق في هذا المبتدع كما قال ابن حبان: يعرف أنه صادق في هذه الرواية، ولم يجد هذه السنة إلا عند هذا المبتدع الداعية، هل يترك هذه السنة ولا يرويها ولا يطبقها؟ هل يجوز له أن يفعل ذلك؟ لا، لأنه لا بد أن يرويها، هذه سُنَّة! لا يعرفها إلا من طريق هذا الرجل، وهو يعرف أنه صادق وإن كان داعية.

عند تعارض الاحتياطان؛ هناك احتياط بالترك من أجل ألا تنتشر البدعة، وهنا احتياط للدين والاحتياط للدين أولى، الاحتياط لئلا يضيع شيء من الدين.

وهنا يبين محل النزاع:

في الحقيقة الذي لا يمكن أن يختلف فيه اثنان، أنا أوافق أن الأولى عدم الرواية عن المبتدع الداعية، لكن لو وجدت أن هذه السنة لا يرويها إلا رجل مبتدع داعية، فعندها لا بد أن أروي عنه، وهذا الذي جعل العلماء - كما ذكرنا - البخاري ومسلم وغيرهم يروون عن مبتدعة دعاة بعض السنن، لماذا؟ لأنهم ما وجدوها إلا من طريقه، ولذلك لَمَّا ذكر الذهبي بعض من اتُّهِم بالبدعة كعبد الرزاق، قال: لو تُرك حديث عبد الرزاق للتشيع، ولو تُرك حديث قتادة للقدر، ولو تُرك حديث فلان لكذا، واو تُرك ... لضاعت السنن، وذهب أمر الدين، وظهر الدجال، وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ كذا يقول الذهبي، فلا بد من أن يكون الاحتياط في الرواية عن أهل البدع منضبط بقواعد علمية مراعية للاحتياط للدين والحفاظ على دين الله عز وجل، وهنا يؤكد هذه المسألة طبعًا، لكن نكتفي بكلامه عن المبتدع بهذا القدر.

الآن يتكلم عن المختلِط؛ نلخص عبارته لأنها فيها طول، يقول:

المختلِط نقبل روايته في حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون من روى عنه قد سمع منه قبل الاختلاط.

المختلِط: هو من طرأ سوء الحفظ عيه بعد إتقان وضبط وحفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت