فيقول: هذا الذي طرأ عليه سوء الحفظ لا أقبل روايته إلا إذا علمت أن من روى عنه قد سمع منه قبل الاختلاط؛ وهذه مشهورة جدًّا ويوافق عليها ابن حبان كل أهل العلم، لكن أيضًا صورة أخرى يقبل فيها رواية المختلِط.
يقول: وأيضًا أقبل رواية المختلِط فيما لو تابعه رجل آخر غير مختلِط.
فلنفترض مثلًا السعيد بن أبي عروبة وهو أحد المختلِطين روى عنه مثلًا أبو نعيم الفضل بن دكين بعد الاختلاط، فوجدت الحديث برواية أبي نعيم عن سعيد عن قتادة بن دعامة عن أنس بن مالك مثلًا؛ هذا الإسناد ظاهره الأصل فيه الرد، فلو وجدت أن راويًا آخر روى هذا الحديث عن قتادة وليكن شعبة، روى نفس هذا الحديث عن قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث سعيد بن أبي عروبة سواء، يصبح هذا الحديث مقبولًا أو لا؟
مقبول، لماذا؟ لأنا عرفنا أن هذا الحديث وإن كان الراوي سمعه من سعيد بعد الاختلاط إلا أن هذا الحديث مما ضبطه سعيد ولم يختلط فيه؛ لأن المختلِط ما يلزم أن يختلط في كل حديثه، قد يختلط في أغلب حديثه، في كثير من حديثه، لكن يبقى هناك أحاديث ضبطها، والذي يدلنا على الذي ضبطه - مما رواه بعد الاختلاط أن يتابعه عليه الثقات الآخرون في روايته عن شيخه نفسه بإسناده ومتنه، ولذلك بهاتين الحالتين يَقبل رواية المختلِط.
وهذا يذكرنا بفائدة مهمة:
وهي أنك إذا وجدت رواية لمختلِط في أحد كتب الصحاح من رواية رجل ممن قيل أنه سمع بعد الاختلاط أو ممن لم يميزه، لا يدل ذلك على أنه سمعه قبل الاختلاط؛ إذ لعله إنما أخرج له صاحب الصحيح لأنه متابَع، وهذه وَجَدْتُ كثيرًا من الناس يخطئ ويَهِم فيها ويتصور أنه يلزم لإخراج أصحاب الصحيح للراوي المختلِط عن شيخه عنه أو عن راوٍ عنه أن هذا يلزم منه أن يكون هذا الراوي قد سمع منه قبل الاختلاط وهذا خطأ، نعم ممكن أن أعتبر هذه قرينة، خاصة إذا أكثر صاحب الصحيح في الرواية عن ذلك المختلِط عن تلميذ مُعَين عنه دون بقية التلاميذ، أجده دائمًا يختار تلامذة معينين يروي عنهم ويتجنب أخطاء الآخرين؛ هذا يمكن أن أعتبره قرينة، إشارة إلى أن هذا أقوى في الحديث عن غيره، لكن أعتبره دليلًا قاطعًا! لا يصح لورود احتمال أنه أخرج له في المتابعات لا احتجاجًا بهذا السياق.
وصلي اللهم وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم