الصفحة 175 من 306

وكل هذا يؤكد أنه يراعي القرائن وأنه لا يحكم بقبول الزيادة مطلقًا، وقلنا بأنه مقصوده بهذا الكلام - كما سبق وأيضًا نبه عليه ابن رجب - من عاصره من المحدثين لأنهم لم يكونوا بحفظ من سبقهم، وأضيف أنا معنى آخر صريح في كلامه في"المجروحين"وهو إذا كان هذا المحدِّث لا يحدِّث من كتابه وإنما يحدث من حفظه، سواء كان محدِّثًا فقيهًا ليس حافظًا للأسانيد أو كان محدثًا غير فقيه حافظًا للأسانيد.

ثم يتكلم عن حكم رواية المبتدع - وعبارته تحتاج إلى وقفة أيضًا - فيقول:

"أما المنتحلون المذاهبة من الرواة مثل الإرجاء والتَّرَفُّض وما أشبهها، فإنَّا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات على الشرط الذي وصفناه، ونكل مذاهبهم وما يتقلدوه فيما بينهم وبين الله جل وعلا، إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا، فإن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إمامًا فيه، وإن كان ثقة ثم روينا عنه جعلنا للاتباع لمذهبه طريقًا وسَوَّغْنَا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله، فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم والاحتجاج برواة الثقات منهم على حسب ما وصفنا".

هنا يفرق بين الداعية وغير الداعية، فيرى أننا علينا أن نترك رواية المبتدع الداعية، سبق أن ذكرنا الراجح في حكم رواية المبتدع، وقلنا أنه لا ترجع إلى قضية داعية وغير داعية.

ما هو وجه كلام ابن حبان هنا؟

وجه كلام ابن حبان هو الذي دائمًا ننبه عليه وذكره ابن رجب في شرح"العلل"، وهو أن كثيرًا من كلام العلماء حول الدعاة من المبتدعة أنه ليس من باب القبول والرد، وإنما هو من باب الهجر والحث على عدم إشاعة البدعة، وهذا صريح في كلام ابن حبان هنا.

يقول:"إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا فإن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إمامًا فيه، وإن كان ثقة".

يعني: هنا يصرح أن من الدعاة من هو ثقة؛ هذا واحد.

يقول:"وإن كان ثقة ثم روينا عنه جعلنا للاتباع لمذهبه طريقًا". روايتنا عنه تجعلنا نجعل الناس ربما يغتروا ببدعته.

ثم يؤكد أيضًا، يقول:"وسَوَّغْنَا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله، فالاحتياط". يصرح إلى أن ترك الرواية عنهم لا من باب القطع بأن روايته مردودة، ولكن من باب الاحتياط،"فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت