ثم يقول:"وأحتج بمشايخ قد قدح فيهم بعض أئمتنا، مثل: سماك بن حرب، وداود بن هند، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحماد بن سلمة، وأبي بكر بن عياش، وأضرابهم ممن تنكب عن روايتهم بعض أئمتنا، واحتج بهم بعضهم، فمن صح عندي منهم بالبراهين الواضحة وصحة الاعتبار على سبيل الدين أنه ثقة احتججت به، ولم أُعَرِّج على قول من قدح فيه، فمن صح عندي بالدلائل النيرة والاعتبار الواضح على سبيل الدين أنه غير عدل لم أحتج به، وإن وثقه بعضُ أئمتنا".
ينص هنا إلى أنه بالنسبة للرواة المختلف فيهم جرحًا وتعديلًا أنهم لا يُقَلِّب، وأنه يدرس كل راوٍ من هؤلاء دراسة خاصة، فإن ترجح عنده بالأدلة النيرة الواضحة - كما يقول - أنه ثقة، أخرج عنه، وإن ترجح عنده بالأدلة النيرة الواضحة أنه ليس بثقة، لم يُخْرِج عنه؛ وهذا أيضًا يؤكد على تَحَرِّيه وتثبته في كتابه، وأنه حتى الراوي المختلف فيه لا يقلد في أحد، بل هو نفسه يجتهد فيه اجتهاد العالم الذي عنده أهمية الاجتهاد المطلق في الرواة، فيُصدر عليه حكم باجتهاده لا تقليدًا لأحد.
ثم أخذ يتكلم عن حماد بن سلمة يضرب به المثال، ويلوم البخاري على تجنُّبه لإخراج حديثه، ويقول: لِمَا لم تخرج حديثه؟! إذا قلتَ: له أخطاء. فلغيره أخطاء. إذا قلتَ كذا .. المهم أنه صار يرد على البخاري لتجنبه على إخراج حديث حماد بن سلمة ويدافع عن حماد بن سلمة، إلى أن يقول في أثناء هذا الكلام، يقول:
"ولا يستحق لإنسان ترك روايته حتى يكون منه الخطأ ما يغلب صوابه، فإذا فَحُشَ ذلك منه وغلب على صوابه يستحق مجانبة روايته". ليبين أن مجرد الخطأ لا يلزم منه ترك الرواية، بل لا يترك الراوي حتى يكون الخطأ غالبًا عليه أو غالبًا على صوابه.
يؤكد قضية التحري في موطن آخر، فيقول:"وقد اعتبرنا حديث شيخٍ شيخٍ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين". يقول: كل رواة هذا الكتاب اعتبرت مروياتهم شيخًا شيخًا، راويًا راويًا.
"فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما روى، وأدخلناه في كتابنا هذا، ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب"المجروحين"من المحدثين بأحد أسباب الجرح؛ لأن الجرح في المجروحين على عشرين نوعًا". ثم أشار على أنه تكلم عن هذه الأنواع في كتابه.
يتكلم عن قضية زيادة الثقة؛ وهذه مسألة مهمة أيضًا مما اتُّهم بها ابن حبان أو اتُّهم ابن حبان بالتساهل فيها، ويبين منهجه في قبول زيادة الثقة، ولا بد أن نقف من عبارته في هذا الجانب أيضًا، يقول:
"وأما قبول الرفع في الأخبار فإنَّا نقبل ذلك عن كل شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها".