الصفحة 167 من 306

ثم ذكر هذه الخصال الخمس، لا علاقة لنا بها، يعني المقصود أنه إذا وجد خبر منكر لرجل من الرواة الثقات، فإنه لا يتعرى أن تكون النكارة لأمر آخر سوى الثقات، تلحق هذه النكارة شخصًا آخر سوى الثقات، فإما أن يكون هذا الحديث منقطع، أو يكون في راوٍ ضعيف قبله، أو راوٍ ضعيف متقدم عليه، أو يكون مدلَّس، أو يكون مرسل؛ فبهذه الأحوال نُلحق النكارة بهذا الساقط أو بذلك الضعيف الذي قبل أو بعد هذا الراوي الثقة.

يقول:"ولا يمكن أن يوجد حديث منكر من رواية رجل ثقة لم يكن هو الواهم في هذا الخبر، ففي هذه الحالة لا يمكن أبدًا أن يوجد حديث صحيح أو حديث من رواية ثقة منكر لم تتحقق هذه الخصال الخمس التي ذكرها كما ذكرنا؛ هذه عبارتان سنقف عندها بعد قليل."

ثم يقول أيضًا:"فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عنده الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعرف بجرح فهو عدل إذا لم يَبِنْ ضده، إذ لم يُكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفُوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيَّب عنهم".

واحتُجَّ بهذه العبارة على أن ابن حبان يكتفي بالعدالة الظاهرة، وقلنا أصلًا: لو كانت هذه العبارة تدل على ذلك، فإنه لا إشكال؛ لأن الاكتفاء بالعدالة الظاهرة هو مذهب كثيرين من أهل الحديث، بل يكاد يكون مذهب المحدثين غالبًا أو قاطبة أو إجماعًا، وخاصة فيمن تقادم العهد بهم ولم يمكن سَبْر أخبارهم، لكن مع ذلك هذه العبارة في الحقيقة لا تدل على الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، لماذا؟

مثل ما ذكرنا في مقدمة الصحيح، هنا يتكلم على أننا نحن إنما نُكَلَّف بالظواهر والله يتولى السرائر، يقول: أنت تحكم على ظاهر الشخص، أما باطنه ونيته وداخله فهذه لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى، فنحن علينا أن نحكم على ظاهر الشخص، أما ما غاب عنا .. انظر العبارة وأيش يقول فيها!

"فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يَبِنْ ضدُّه؛ إذ لم يُكَلَّف الناس من الناس معرفةَ ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر"هذا صريح؛ نحن مكلفين بالحكم بالظاهر.

"من الأشياء غير المغيَّب عنهم، جعلنا الله ممن أسبل عليه جلابيب الستر في الدنيا .."ورجع إلى كلامه السابق.

فهو يريد أن يبين أننا إنما نحكم بناءً على ما يظهر لنا من أحوال هذا الشخص، ولا شك أن العدالة الباطنة والظاهرة إنما نحكم بها من خلال الظاهر، أما البواطن فلا يعلمها إلا الله، فالمقصود بالعدالة الباطنة - كما أكرر دائمًا - ليس المقصود بها الحكم بما في داخل قلب الرجل وبما في نيته وصدره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت