حفظ شامل للسنة، كامل للسنة، إلى فهم دقيق وعميق، لا يكاد يوجد إلا في أفراد قلائل من المتقدمين فضلًا من أن يوجد في المتأخرين، فهم قلة جدًا يوم أن كان الحفاظ بالألوف، النقاد يعدون على الأصابع، فكيف بمن بعدهم؟!
وهناك مناسبات كثيرة ذكرت فيها عبارات لبعض أهل العلم منن المتأخرين، هم أنفسهم يصرحون بهذا الأمر، فليست هذه دعوى منا - يعني ضدهم - بل هم لفضلهم وعلمهم وتورعهم يعرفون مقدار ما عندهم من العلم في مقابل ما كان عند من سبقهم وقد كانوا عارفين بمنزلتهم في مقابل منزلة من سبقهم من أهل العلم الحفاظ، فليس في ذلك انتقاص لقدرهم، بل هذا هو الحق والواقع وهم يعترفون بذلك ونحن نعرف ذلك، حتى من لم يصلنا له كلام في ذلك نحن نتبين ذلك من جهوده العلمية ومما وصفوا به من العلم وغيره في تراجمهم.
فما دام أن العالم المتأخر لم يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة المتقدمين في علوم الحديث، فينبغي عليه ألا يخالف الإمام المتقدم في التصحيح والتضعيف، إلا إذا عرف مأخذه في التصحيح والتضعيف وتبين له أن هذا المأخذ ليس بسديد، أما إذا ما عرف سبب حكمه بالصحة ولا سبب حكمه بالضعف فلا يحق له أَنْ يخالف.
وهذا مثله في ذلك مثل الفقه، حتى الفقه - يعني المسألة الفقهية - إذا لم يكن عندك أهلية النظر في الدليل ولم تفهم الدليل فإنه يلزمك أن تقلد العالِم، أما إذا كنت تفهم الدليل وتعرف دليل هذا ودليل هذا من مفتيه، ووجه الاستدلال هنا ووجه الاستدلال هنا فإنه يحق لك أن ترجح.
وهنا أنبه إلى أن الاجتهاد، يعني قد يتمكن الإنسان من الاجتهاد في مسألة، ولا يتمكن من الاجتهاد في مسألة أخرى، كونه يجتهد في مرة أو يكتشف علة مرة مثلًا في الحديث، لا يعني ذلك أنه سيكتشف كل علة في كل حديث، لا يلازم من ذلك، الذي من شأنه أنه يَكْتَشِف كل علة في كل حديث صاحب الاجتهاد المطلق، أما من كان صاحب اجتهاد مقيد وترجيح بين الأقوال وما شابه ذلك فقد يلزمه في بعض الأحيان التقليد، وقد نص على ذلك الحافظ ابن حجر في"النكت"في قضايا العلل الخفية، وهو أنه يلزم المتأخرين أن يقلدوا المتقدمين في إعلالهم بتلك العلل الخفية التي ربما لم يظهر للمتأخر وجه الإعلال بها وكذلك نفعل في صحيح ابن خزيمة وغيره، ونحن ندرس الإسناد إذا ظهرت لنا فيه علة ظاهرة من حقنا أن نخالف أو علة باطلة من حقنا أن نخالف أيضًا مع التأكد والتريث والتثبت وعدم الإعلال بالأمر المحتمَل كما ذكرنا.