الصفحة 138 من 306

التي فيها التصريح بالسماع. فقد يذكر الرواية التي فيها التصريح بالسماع وقد يذكر رواية أخرى فيها العنعنة، وبذلك يبين لنا أنه لا يحق أن تنظر في الإسناد فقط فتقول هو أخرجه بالعنعنة إذًا لم يصرح أرده إذًا أرده، لأنه قد ضمن لك أنه لا يخرج لمدلس إلا ما صرح فيه بالسماع، سواء وقع هذا التصريح في صحيحه أو وقع خارج صحيحه.

قد يقول قائل: لعل هذا المدلس لم يكن يعرفه هذا الإمام بالتدليس، ويكون سبب إيراده له بالعنعنة لكونه لا يعرفه بالتدليس؟

فنقول الجواب عن ذلك: إِنَّ الذي ترد عنعنته بالتدليس هو من غلب عليه التدليس وكثر منه، ليس من وقع منه التدليس قليلًا أو نادرًا، ومن كثر منه التدليس لا يتصور أن ناقدًا كبيرًا يجهل أنه مدلس، الذي يمكن يخفى على ابن خزيمة وعلى ابن حبان هو من وقع منه التدليس قليلًا ونادرًا، يعني إذا عرفت أنت أنه مدلس ووصل به كثرة التدليس إلى أَنْ تحكم عليه برد العنعنة، فهل تتصور أنك أنت تعرف أنه مدلس وابن خزيمة ما يعرف أنه مدلس، يعني أنت أعلم من ابن خزيمة وابن حبان وأمثالهم في مثل هذه الأمور، خاصة أنه يتكلم على من غلب عليه التدليس واشتهر بين العلماء بذلك، فإذا كان كذلك فلا يتصور أن يكون هذا الراويَ قد جَهِلَ هذا الِإمامُ الحكم عليه بالتدليس، فلذلك نقول: لا يحق للمتأخر أن يخالف هذا الإمام المتقدم في أمر مُحْتَمَل إذا كان هو صاحب هذا الحكم، لكن إذا سُبق من إمام متقدِّم بتضعيف هذا الحديث لهذا الأمر المحتمل، فإذنه يحق للمتأخر أن يرجح بين القولين، يعني مثلًا لو وجدنا أن ابن خزيمة أخرج الحديث من رواية مدلس أو من رواية مختلِط لم يتميز عندنا سماع الراوي منها؛ هل هو كان قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، ثم وجدنا أن أبا حاتم الرازي أو أبو زرعة أو الدارقطني أو فلان أو فلان من العلماء المتقدمين قال: هذا الحديث - نفس الحديث الذي أخرجه ابن خزيمة - ضعيف؛ لأن فلان قد دلس هذا الحديث، أو لأن فلان الذي روى عن هذا المختلط سمع منه هذا الحديث بعد اختلاطه، أو لكون هذا الراوي أخطأ في هذا الحديث، أو لأي عبارة تدل على إعلاله لهذا الإمام المتقدم، عنده يصبح حكم هذه الحديث مثل حكم الأحاديث المنتقدة في الصحيحين، نحن إذا قلنا: إن كان الحديث إذا منتقدًا في الصحيحين - وهما الأجل - يحق للمتأخر أن يرجح بين قولين، فكيف إذا كان هذا الانتقاد في صحيح ابن خزيمة؟! فسواء كان التضعيف بأمر محتمل أو بأمر غير محتَمل، ما دان أن المتأخر مسبوق بها بالحكم من إمام سابق فإنه يحق له أن يرجح بين القولين.

المقصود أنه على المتأهل المتأخر أن يضع نصب عينيه أن أهليته لم تصل إلى حد الاجتهاد المطلق، ليس في المتأخرين من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في علوم الحديث، الاجتهاد المطلق في علوم الحديث يحتاج إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت