الباقي من الكتاب كما ذكرنا وهو نحو ربعه سبعة كتب (كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، وكتاب الإمامة، والجمعة، والصيام، والزكاة والمناسك) يمتاز بن خزيمة بمزية خاصة في ترتيب كتابه , وهو أنه رتبه على ثلاثة أقسام , العادة و نحن نعرف العلماء يرتبون على قسمين كتاب وتحت الكتاب أبواب أما ابن خزيمة رتب كتابه على ثلاثة فروع يعني أصل، وفرع، وتحت الفرع أيضًا فروع؛ فأول شيء الكتاب يقول كتاب كذا؛ ثم يضع تحت الكتاب يسميه جماع الأبواب؛ ثم تحت جماع الأبواب يضع تفاصيل الأبواب مثاله قال: في كتاب الطهارة يقول جماع أبواب الأفعال اللواتي توجب الوضوء؛ ثم أورد تحت هذا الجماع أبواب نواقض الوضوء لكل ناقض يعقد بابًا كذلك فعل في الأواني يقول جماع أبواب الأواني ثم يذكر ما يتعلق بأبواب الأواني في هذا الجماع؛ فهو فيه دقة في الترتيب من هذه الناحية تعينك أكثر على استيعاب موضوعات الكتاب.
لاشك أن ابن خزيمة في كتابه الصحيح تميز تميزًا واضحًا جدًا استفاده من بعده ابن حبان في فقه الحديث حيث إنه يفصل في الفقه المستنبط من الحديث تفصيلًا لا خفاء فيه ليس مثل البخاري الذي يبوب ولا يبين العلاقة لا؛ بل يدقق ويوضح وجه الاستنباط بصورة واضحة جدًا في غاية البيان في أغلب الأحيان، وتبويباته مفصلة مبينة، ودقيقة، ويمكن من خلالها وبسهولة أن نعرف فقه ابن خزيمة وفي الحقيقة إن هذا الكتاب يحتاج إلى خدمة جيدة في جمع آراء ابن خزيمة الفقهية، ودراساتها دراسة جيدة ومعرفة منهجه في الاستنباط ومذهبه في ذلك مع إن القطعة الموجودة لا تمثل كل الكتاب لكنها قطعة مباركة حيث تناولت أبواب العبادات كاملة كما ذكرنا لكم , ومما يدعونا إلى دراسة هذا الإمام انه كان من كبار الفقهاء فقيهًا فحلًا من كبار الفقهاء، وكان عنده دقة في الاستنباط يكاد يفوق بها أكثر أهل عصره في ذلك الزمن الذي كان زاخرًا بالفقهاء و العلماء في القرن الثالث وأوائل الرابع الهجري، وهناك عبارات لبعض كبار العلماء في ابن خزيمة تدل على مكانته في الفقه؛ فيقول عنه قرينه , وهو إمام الشافعية على الإطلاق في زمنه و أحد من لقبوا بشيخ الإسلام وهو أبو العباس بن سُرَيج وهو من كبار فقهاء الإسلام على مر التاريخ هذا الإمام الكبير يقول عن ابن خزيمة: يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش، يعني هذا ثناء دقيق على دقة استنباط بن خزيمة والمقصود بالنكت أي الفوائد الخفية , وبالمنقاش أي التتبع والاستنباط الدقيق جدًا حتى يستخرج الفائدة الحديثية.
ويقول عنه تلميذه وأكبر تلامذته أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري، وهو من كبار المحدثين الحفاظ، والنقاد الكبار يقول عنه: لم أر مثله، وكان يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ السورة.