إذا هم واجهوا بغير قدرة علي المواجهة قال فكان من الحكمة الاختفاء فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم و عبادتهم و دعوتهم و اجتماعهم أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين لا يصرفه عن ذلك شئ ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا نظرا لصالحهم و صالح الإسلام و كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي علي الصفا و كانت بمعزل عن أعين الطغاة و مجالسهم فكان أن اتخذها مركزا لدعوته و لاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة و هذا الأمر يدلنا علي لزوم الحكمة في مراعاة عدم المصادمة في بداية الدعوة لان ذلك يؤدي إلي استأصال الدعوة و الدعاة أنفسهم ولابد من مراعاة أمر الخفاء في مثل هذه المرحلة من الدعوة إلي الله سبحانه و تعالي ولابد أن يتم الأمر بحذر حتى لا يترتب عليه من المضار ما يؤدي إلي توقف الدعوة قال الهجرة الأولي إلي الحبشة: كانت بداية الاضطهادات في أواخر أو أواسط السنة الرابعة من النبوة بدأت ضعيفة ثم لم تزل يوما فيوما و شهرا فشهرا حتى اشتدت و تفاقمت في أواسط السنة الخامسة حتى نبي بهم المقام في مكة نبي بهم المقام يعني ارتفع صعب عليهم حتى شق عليهم المقام في مكة و اوعزتهم الاضطهادات أن يفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم و في هذه الساعة الضنكة الحالكة نزلت سورة الكهف ردودا علي أسئلة أدلي بها المشركون إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - و لكنها اشتملت علي ثلاث قصص فيها أشارات بليغة من الله تعالي إلي عباده المؤمنين فقصة أصحاب الكهف ترشد إلي الهجرة من مراكز الكفر و العدوان حين مخافة الفتنة علي الدين متوكلا علي الله (و إذ اعتزلتموهم و ما يعبدون إلا الله فأووا إلي الكهف ينشر لكم ربكم من رحمة و يهئ لكم من أمركم مرفقا) و قصة الخضر و موسي تفيد أن الظروف لا تجري و لا تنتج حسب الظاهر دائما بل ربما يكون الأمر علي عكس كامل بالنسبة إلي الظاهر يعني ربما يكون نزع عود من السفينة سبب لنجاتها و ربما يكون قتل البعض قتل إنسان مصلحة له و لمن حوله و ربما يكون حفظ الله عز و جل لبعض عباده بأسباب خفية يرسل الله عز و جل من يحفظ به مال بعض اليتامى و الضعفاء رعاية لحق أبيهم الغرض المقصود أن الأمور قد تبدو في الظاهر علي وجهة و حقيقة الأمر و نهاية المطاف و سر القدر في نهاية الأمر إلي الخير و المصلحة وجهة أخري غيرالوجهة التي ظهرت فيها فأن ظهرت مفسدة فهي من ورائها من المصالح ما لا يعلمه إلا الله قال بل ربما يكون الأمر علي عكس كامل بالنسبة إلي الظاهر و فيها إشارة لطيفة إلي أن الحرب القائمة ضد المسلمين ستنعكس تماما و سيصادر هؤلاء الطغاة المشركون أن لم يؤمنوا أمام الضعفاء المدحورين من المسلمين و قصة ذي القرنين تفيد أن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء و أن الفلاح إنما هو في سبيل الأيمان دون الكفر وان الله لا يزال يبعث من عباده بين آونة و أخري من يقوم بأنجاء الضعفاء من يأجوج ذلك الزمان و مأجوجه يعني ممن يشبه ياجوج و مأجوج في زمنه و أن الأحق بإرث الأرض ... إنما هو عباد الله الصالحون ثم نزلت صورة الزمر تشير إلي الهجرة و تعلن أن ارض الله واسعة و ليست بضيقة للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة و ارض الله واسعة إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب و كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن اصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل لا يظلم عنده احد فأمر المسلمين أن يهاجروا إلي الحبشة فرارا بدينهم من الفتن و في رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلي الحبشة كان مكونا من اثني عشر رجلا و أربع نسوة رئيسهم عثمان بن عفان و معه السيدة رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ود قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما أنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم و لوط عليهما السلام إبراهيم هاجر مع سارة و معه لوط عليهم الصلاة و السلام و كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل حتى لا تفطن لهم قريش خرجوا إلي البحر و يمموا ميناء شعيبة و قيدت لهم الأقدار يعني قيد الله عز و جل لهم بقدره سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلي الحبشة و فطنت لهم قريش فخرجت في آثارهم لكن لما بلغت إلي الشاطئ كانوا قد انطلقوا أمنيين و أقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار و في رمضان من نفس السنة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي الحرم و هناك جمع كبير من قريش كان فيه ساداتها و كبرائها فقام فيهم و اخذ يتلوا عليهم سورة النجم بغتة أن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام الله قبل ذلك لان أسلوبهم المتواصل كان هو العمل بما تواصي به بعضهم بعضا من قولهم لا تسمعوا لهذا القرآن و ألغو فيه لعلكم تغلبون كانوا ينهون عن السماع و يأمرون باللغو فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة و قرع أذانهم كلام الهي رائع خلاب خلاب يعني يأخذ بالقلوب لا يحيط بروعته و جلالته البيان تفانوا عما هم فيه نسو ما هم فيه و بقي كل واحد مصغيا إليه لا يخطر بباله شئ سواه حتى إذا تلي في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ فأسجدوا لله واعبدوه ثم سجد لم يتمالك احد نفسه حتى خر ساجدا و في الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين هذه القصة ثبتت في البخاري من حديث ابن مسعود