ـ [ذو المعالي] ــــــــ [04 - 03 - 03, 07:35 ص] ـ
حمدًا لله تعالى، و صلاةً و سلامًا على من تمَّ كمالًا، و على آله و صحبه ومن اقتدى امتثالا.
فإتمامًا لما تمَّ البَدْءُ به من (الأمانة العلمية) في طرْحٍ سابق، و هو القسمُ الأول من (الأمانة العلمية) :
القسمُ الثاني: الأمانةُ في النقل.
مما جرتْ عليه عوائدُ أهل العلم النقلُ عن الكتبِ، و الأخذِ عنها، و لا غرْوَ في ذلك فهنَّ لِقاحُ الفُهوم، و نبراسُ العقول.
و أيضًا جَرْيُ العادةِ بالنقلِ عن الأشياخ، و هي ما يُسمى بـ (الملفوظات) أو (المشافهات) و هي غالبًا ما تكون من نفيسِ ما يكون من النقلِ.
و حيثُ كانت بتلك المكانة، و حاظِيَةٌ بهاتيك المتانة، إلا أنه انتابها من الخيانة ما انتابها، و اعتراها من الإخلال ما اعتراها.
فقد بُلِيَتْ العلومُ بسُرَّاقها، و انفلتت سطوة خُرَّاقها، فلا ترى علمًا إلا مخروقًا، و لا فنًا إلا مفتوقًا، و الآكلةُ تعبَثُ، و السباعُ تنهش.
و لستُ إلا مريدًا التَّعَرُّضَ لحالِ السُرَّاق، الذين كشفَ عورتهم، و أبان سوأتهم نفرٌ مباركٌ من فضلاء أهل العلوم، منهم الشيخ: حسان عبد المنان في كتابه الماتع المفيد (السرقات العلمية) ، و كذلك ما كتبه الشيخ: صالح الحُصَيِّن في (هل للتأليف حقٌّ شرعي؟) ، و (حقوق المِلكية الفكرية) لـ: أ. د. بركات محمد مراد، و غيرها.
فإننا ننظرُ إلى سوقهم فإذا هي رائجةٌ، و إلى بضاعتهم فهي رابحة، و لكن أين لها الربح المعنوي؟، و أين لها النجاءُ من التَبِعَة يوم القيامة؟
إن كثرتَهم من أقوى دلائل الخيانة في الطلب، و من أدلِّ ما نظفرُ به عليهم في بيان سوءِ المقصد، و ما كان هذا من عوائد السالفين، و من مناهج العلماء العاملين، و العارفُ بسيَرِهم دارٍ بذلك.
و قد تُنُوْقِلَتْ كلمةٌ غَدتْ مثلًا: من بَرَكَةِ العلم و شُكرِهِ عَزوهُ إلى قائله. انظر: المُزهر: 2/ 231.
النقلُ نوعان:
الأول: نقلٌ بالنَّصِّ، و هذا غالبُ ما عليه الأكثرون، و لِيُلاحَظ فيه:
أولًا: الحرصُ على أن يكون النقلُ معتمدًا من قِبَلِ المنقولِ منه، و الاعتمادُ قسمان:
القسمُ الأول: اعتمادُ قولٍ هو العمدةُ فيما قرره المؤلفُ، فبعضٌ _ كثيرٌ _ من العلماء يتخذون أقوالًا تُنقلُ عنهم و تنتشرُ في آفاق الأرض، ثم يتغيَّرُ رأي العالمِ إلى غيره، و محلُّ قولهِ الأخير محلاّن:
الأول: كتابٌ يؤلفه هو مؤخرًا فيُعتمدُ عنه.
الثاني: تقرير طلابه ذلك عنه في كتبهم.
القسم الثاني: النظرُ في تقارير طلابه الأثبات عنه، فلصوق الطالب بشيخه، و لزومه درسه، مما يتأكدُ فيه كينونةُ ما يقرره الطالب مُعتمد شيخه.
مع مراعاة الطالبِ من حيثُ: تمام الضبط، و كمال الديانة، و إتقان النقلِ، و موافقةُ الأقران.
النوعُ الثاني: نقلٌ بالمعنى، و هذا لا عيبَ فيه إذا كان مُقيَّدًا بقيدين اثنين:
أولهما: عدم وجود النقلِ نصًا، أو تعسرَ، أو كان ملفوظًا علميًا لا مكتوبًا.
ثانيهما: الفهم الصحيح للكلام المنقول، فإذا صحَّ الفهمُ للمنقولِ معنى فحسنٌ جميل.
إلا أننا بُليَ زماننا بأقوامٍ أخلوا بكلا الأمرين، فلا راعوا نقلًا نصيًا، و لا صانوا المعاني من سَوْءَةِ فهومهم فخانوا العلم و أهله بفهوم منكوسة، طوى عليها الزمان بساط الردى و الغَيِ.
و (الأمانة العلمية) لفقدانها صورٌ عِدَّةٌ:
الأولى: الزيادة على النقل دون الإشارة لها.
فكثيرًا ما يُدْرِجُ بعضُ النُّقَّال من بعض المصادر كلامًا ليس من ضمن المنقول، و يعزُبُ عنهم _ و هذا نادرٌ، و إلا فالأكثرُ الإهمالُ المُتعمَّد _ تبيانُ ذاك المُدرج، فيفهم من يقرأ أن ذلك من ضمن الكلام الأصل المنقول.
و هذا لا يستريبُ عاقلٌ في مدى لصوقهِ بالخيانة العلمية، إذ بعضهم يدفعه إلى ذلك أمورٌ سيئة، منها:
أولًا: اتهامٌ للمنقولِ عنه بأنه ذو منهج منحلٍ، و معتقدٍ فاسد، و غير ذلك من التهم المُلْصَقة بالمنقول عنه.
و صاحب هذا العمل قد جمع إلى الخيانة الاتهام، و بئس العملان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)