وكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ما أعلم شيئًا أقر لعيون العابدين في الدنيا من التهجد في ظلمة الليل، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها ألذّ عند العابدين ولا أقرّ لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم. فصاح حبيب عند ذلك وخرّ مغشيًا عليه.
وكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل. وقال أبو سليمان: إذا جن الليل وخلا كل جبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، أشرف الجليل جل جلاله فنادى؛ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، واستروح إلى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! عل رأيتم حبيبًا يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمُل بي أن أعذب قومًا إذا جنّهم الليل تملقوني؟ فبي حلفت إذا قدموا عليّ يوم القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي ينظرون إليّ وأنظر إليهم.
وسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لإنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره. رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حُللًا قد فُرقت على أهل مسجد محمد بن جُحادة، فلما انتهى الذي يفرقها إليه دعا بسفطٍ مختوم فأخرج منه حُلةً صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر. قالت: فوالله لقد كنت أراهتعني: محمد بن جحادة بعد ذلك فأتخايلها عليه. تعني تلك الحلة.
قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبًا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يتهجدون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء.
يا نفسُ فازَ الصالحون بالتُّقى
وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عُمي
يا حسنهُم والليل قد جنَّهم
ونورهم يفوقُ نورَ الأنجُمِ
ترنّموا بالذكر في ليلهم
فعيشهم قد طاب بالترنُّمِ
قلوبهم للذكر قد تفرّغت
دموعهم كلؤلؤٍ مُنظَّمِ
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت
وخِلعُ الغفران خيرُ القِسَمِ
في بعض الآثار يقول الله عز وجل كل ليلة: يا جبريل أقم فلانًا وأنم فلانًا. قام بعض الصالحين في ليلة باردة، وكان عليه
خلقان رثّة فضربه البرد فبكى، فسمع هاتفًا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي!.
تنبّهوا يا أهلَ وادي المنحنى
كم ذا الكرى، هبّ نسيمُ وجدي
كم بين خالٍ وجَوّ وساهرٍ
وراقدٍ وكاتمٍ ومُبدي
قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل. قال: أبعدتكم ذنوبكم.
وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل. قال: قيدتكم خطاياكم. إنما يؤهل الملوك للخلوة ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل مخالفتهم فلا يرضونه لذلك:
الليلُ لي ولأحبابي أُحادِثُهم
قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويَعُوا
لهم قلوبٌ بإسرارٍ لها مُلئت
على وِدادي وإرشادي لهم طُبِعوا
قد أثمرت شجراتُ الفهمِ عندَهم
فما جَنوا إذ جَنَوا مما به ارتفعوا
اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى
ابن رجب
الصفحة: 14
اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى
ابن رجب
الصفحة: 15
سُرُّوا فما وهِنوا عجزًا وما ضَعُفُوا
وواصَلُوا حبلَ تقريبي فما انقطعوا
الفصل الثالث
في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث
وهي:"اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك". فقال النبي):"تعلموهن وادرسوهن فإنهن حق".
هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله):"أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات". يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدنيا والآخرة، وقد كان النبي) يستحب مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي) يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. خرجه أبو داود.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)