وقال لى طالب آخر: إن الأستاذ المودودى يختلف معك في هذا التصوير للشورى الإسلامية! قلت: رحم الله المودودى وأجزل مثوبته، ما أظننى أختلفت معه في شىء طائل، ولكن الملابسات التى أحاطت بالرجل جعلت أحكامه ما تفهم إلا في ضوء هذه الملابسات. لقد أيد ترشيح أخت محمد على جناح لتحكم الباكستان، وفى ذلك ما فيه. وعندى أنه أفضل أن تحكم الباكستان امرأة من نوع"أنديرا غاندى"عن أن تحكمها عساكر من طراز"يحيي خان"الذي ما كان يفيق من سكر .. إن المرأة التى رأست الهند استغلت خيبة الحكام العسكريين للباكستان واستطاعت أن تلحق هزيمة فاحشة"بالفيلد مارشال يحيى"قصمت ظهر الدولة الإسلامية الكبيرة وشطرتها نصفين. وقد فعلت"جولدا مائير"بالعرب ما فعلت زميلتها الهندية .. ولو أن امرأة حكمت العرب من هذا الطراز لكان ذلك أجدى على العرب من عسكر وضعوا على صدورهم أعلى الأوسمة، فلما جد الجدل تحول عمالقة الاستعراض إلى معز وضأن .. إن امرأة على رأس حكم شورى أفضل من مستبد على رأس سلطة مغتصبة. وبديهى أن ذلك ليس هو النظام الأمثل .. والذي أذكره ـ من قراءة مر عليها ربع قرن ـ أن المودودى يرفض أن تعترض الشورى حق السلطة التنفيذية في اختيار الوسائل والأدوات ... وهذا مقرر في الأنظمة الحديثة حيث لا تعترض السلطة التشريعية أعمال أختها التنفيذية .. أما القول بأن الإسلام أقر الشورى في الحكم، وأعفى الحاكم من نتائجها، وأن البناء السياسي للأمة الإسلامية يقوم على هذا الأساس فذاك كلام باطل، وهو قد يقع على ألسنة لم تحسن دراسة الإسلام ولا تدبر تاريخه، ولا سير القافلة البشرية في الشرق والغرب، ولا وظيفة الأمة الإسلامية في العالم. ولا ويل للمسلمين إذا وقعت أزمتهم في هذه الأيدى القاصرة. ص _0 ص 4