(1) أهمّيّة الكتاب وموضوعه
كتاب «الحروف» الذي ينشر نصّه لأوّل مرّة من أكبر مصنّفات أبي نصر الفارابيّ وأعظمها غناء للمهتمّين بدراسة الفكر العربيّ عامّة والفلسفة الإسلاميّة وفقه اللغة العربيّة خاصّة. كتبه إمام المنطقيّين في عصر بلغ فيه الفكر العربيّ أوجه في تفهّم أمور العلم واللغة، وضرورة التعبير الصحيح عن ما ينظر الإنسان فيه ويعقله. فلا يستغني عن قراءته من يشتغل في تأريخ الفلسفة واللغة، ويجب أن يمعن النظر فيه من يقصد فهم الصلة بين نموّ العلوم واللغة التي بها يعبّر عن العلوم والمجتمع الذي تنمو فيه.
وأهمّ ما يجده الناظر في الكتاب اليوم هي الشروح الوافية لمعاني المصطلح العلميّ الفلسفيّ في العربيّة ولغات أخرى غير العربيّة، والتعريف بما عمله المترجمون عند نقلهم هذا المصطلح من اليونانيّة والسريانيّة، وتفسير المعاني العامّيّة وصلتها بالمعاني العلميّة، ثمّ البحث في أصل اللغة واكتمالها وعلاقتها بالفلسفة والملّة.
وهذه أمور لم نكن نعرف قبل العثور على أصل كتاب «الحروف» أنّ الفلاسفة الذين كتبوا بالعربيّة قد استقصوا البحث فيها.
ومع ذلك فموضوع الكتاب ليس اللغة والمصطلح العلميّ فحسب. فالكتاب كما سنبيّن فيما يأتي (ص 30وما بعدها) تفسير لكتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطوطاليس. وهو أوّل كتاب شامل ينشر للفارابيّ في علم ما بعد الطبيعة، وما نشر له من قبل في هذا العلم مختصرات موجزة لا يفصّل الفارابيّ فيها القول في الموجود وأعراضه كما يفعل في هذا الكتاب. وهو أقدم شرح واف بالعربيّة لأغراض كتاب «ما بعد الطبيعة» يعثر على أصله. ولا شكّ في أنّه كان مصدرا استقى منه شرّاح كتاب «ما بعد الطبيعة» الذين أتوا بعد الفارابيّ، مثل ابن سينا وابن رشد، الكثير من آرائهم في العلم الإلهيّ.
ولفظة الحروف تقال على معان. منها حروف الهجاء أو حروف التهجّي. والحرف بهذا المعنى «صوت له فصل ما يحدث فيه بقرع شيء من أجزاء الفم وفصولها التي يتميّز بها بعضها عن بعض إنّما تختلف باختلاف أجزاء الفم القارعة أو المقروعة» (الفارابيّ «شرح العبارة» ص 29، س س 1210) . والفارابيّ يبحث في حدوث الحروف بهذا المعنى في الفقرات 119114من كتاب «الحروف» (ص ص 137134) ضمن البحث في أصل اللغة ونشوئها واكتمالها.