معروفة قبل معرفة قواعدها، وكذلك الشعر عرف وسار ودار قبل معرفة علم العروض.
ومهما يكن الأمر، فإن هذه المحنة قد عادت على الأمة بنتيجة إيجابية تتمثل في التمسك الأشد وبالإيمان الأقوى بالإمامة الرشيدة لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه، كما أنها أنتجت للأمة على الجانب الآخر آدابا سامقة، وعلوما رفيعة، وفلسفات عميقة، وتأملات منتجة، وأفكارا ولودا، أثرت الجانب الفكرى للإسلام وأسست له صرحا عاليا في مجال العلم والجدل والمنهجية والتنظير والتقعيد على كل الجوانب وفى كل الاتجاهات، وتعد تلك المحنة بحق أمارة على حيوية هذا الدين وعلى قدرته الفائقة في استنهاض العقول وإثارة الأذهان مع رسوخ العقيدة وتنامى الإيمان. فالإسلام مهما تكاثرت ثماره وامتدت فروعه، ومهما حطت الطيور على أغصانه لا ينكسر جذعه، ولا يهتز ساقه، ولا يذبل عوده بل يزداد أعلاه سموقا وجنى ونضارة، ويزداد أسفله بالاحتكاك كذلك قوة ورسوخا وصلابة. وهذه هى عظمة القرآن، ولولا المحنة لما كان علم الكلام، ولما استوى للمسلمين حركة فكرية على قدمين. وعلم الكلام ليس بأقل أهمية من علم الفقه أو الأصول، وبخاصة عند مقارعة أهل الحضارات المادية وأصحاب الميول العقلية والاتجاهات الجدلية والفلسفية من أهل الأديان والحضارات الأخرى، ومع من كان طبعه كطبعهم وشربه كشربهم ومن تقلد طريقتهم وتشبه بهم.
يقول الإمام الغزالى عن علم الكلام: = وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة = [1] وينبغى علينا أن نحمل ما ورد عن بعض السلف في ذم علم الكلام، على أنه كان نتيجة لما اقترن به أحيانا من مساوئ الجدل والخصومات، والمحن والتهم بين المتجادلين. وأيضا لما صاحب كثيرا من المتكلمين من قلة الورع، والتعصب الأعمى، والاستغناء بالتقعر في البحث، والنظر عن العمل، والتأدب بأدب الإسلام، وترجمة القرآن إلى واقع ملموس في حياة المسلمين.
(1) المنقذ من الضلال القاهرة. دار المعارف ص 331. تحقيق الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود ص 331. وقد حققناه وترجمناه إلى الإنجليزية انظر: أيضا ابن عساكر تبيين كذب المفترى ص 330.