الكتاب، يقولون على الله، وفى الله، وفى كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم = [1] . في هذه الأثناء كان القول بخلق القرآن حتما مقضيا، فرضته السياسة العليا للخلافة، فقد أوجبت أن يعترف به كلّ من يعمل في الخلافة، أو يتصل بها بسبب، وكان خصوم العقيدة السلفية، يروّجون الفكرة بأن الله لم يتكلم وكان أهل السنة يصفون هؤلاء بالجهمية.
يقول الإمام أحمد بن حنبل في معنى قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذََا هَوى ََ} (النجم: 1) = إن قريشا قالوا: إن القرآن شعر وقالوا: أساطير الأولين وقالوا: أضغاث أحلام وقالوا تقوّله محمد من تلقاء نفسه وقالوا: تعلمه من غيره فأقسم الله تعالى بالنجم إذا هوى، يعنى القرآن الجزء إذا نزل، أو الكوكب إذا سقط، فقال: {وَالنَّجْمِ إِذََا هَوى ََ (1) مََا ضَلَّ صََاحِبُكُمْ} ، يعنى محمدا، {وَمََا غَوى ََ (2) وَمََا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ََ} يقول: إن محمدا لم يقل هذا القرآن من تلقاء نفسه: {إِنْ هُوَ} يعني: ما القرآن، {إِلََّا وَحْيٌ يُوحى ََ} ، فأبطل الله أن يكون القرآن شيئا غير الوحى، لقوله: {إِنْ هُوَ} ، تقول: ما هو {إِلََّا وَحْيٌ يُوحى ََ} ثم قال: {عَلَّمَهُ} ، يعنى علّم محمدا جبريل صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى، وهو: {شَدِيدُ الْقُوى ََ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ََ} ، إلى قوله تعالى: {فَأَوْحى ََ إِلى ََ عَبْدِهِ مََا أَوْحى ََ} (10) فسمى الله القرآن وحيا، ولم يسمّه خلقا أو مخلوقا [2] .
وردّا على اعتراض الجهم بن صفوان في تعلقه بلفظة (شيء) باعتبارها إشارة إلى كل مخلوق، وما دام الله قد خلق كل شيء، فالقرآن مخلوق باعتباره داخل في عموم الأشياء المخلوقة قال: فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة، وقد أقررتم أى أنتم أهل السنة أنه شيء. يقول الإمام أحمد: = فلعمري، لقد ادعى أمرا أمكنه فيه الدعوى، ولبس على الناس بما ادعى، فقلنا: إن الله في القرآن لم يسم كلامه شيئا، إنما سمى شيئا الذى كان يقوله، ألم تسمع إلى قوله تبارك وتعالى: {إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (40) (النحل: 40) فالشيء ليس هو قوله إنما الشيء الذى كان بقوله
(1) الرد على الزنادقة والجهمية ضمن كتاب عقائد السلف ص 54.
(2) المصدر السابق.