إن هذه القصص القرآنية جاءت لتعريف محمد الأمى صلى الله عليه وسلم بسلسلة الأنبياء السابقين وما جرى لهم مع أممهم ليثبت الله بذلك فؤاده. ويهدئ روعه، فيشتد بذلك عزم النبى صلى الله عليه وسلم
ويقوى في مواجهة الباطل وأهله، وحتى يعرف أنه ليس وحيدا في ساحة الدفاع عن الحق والدفاع عن الخلق. ولكي يعرف أيضا أنّ النبوة لا ترتبط بالقومية، ولا تنعزل عن التيار العام والمتدفق للفضل الإلهى الذى يؤتيه الله لمن شاء من عباده.
وفى هذه القرينة نقول إن هذه القصص القرآنية تحتوى على دروس وعظات كثيرة تفيد في معالجة القضايا الحاضرة والمتجددة للبشرية، كما أنها تصل الماضى بالحاضر وتربط بين الأجيال الحاضرة والغابرة برباط دينى وحضارى عظيمين متينين.
وليست هذه القصص ملفقة أو مصممة لتأدية هذا الغرض النفسى البحت، كما يزعم المستشرقون، كلّا فالأنبياء المذكورون في القرآن لهم وجودهم التاريخى وأماكن عملهم معروفة وأصول دعواتهم معلومة وليس يشك في ذلك إلا ملحد كافر بالدين، وإذا كان القرآن قد ركز على الجوانب الخلقية في حياة الأنبياء فهذا ليس معناه إهمال الجانب التاريخى أو الحوادث التاريخية في حياتهم وحياة أممهم. وينبغى أن نلاحظ نقطة أخرى مهمة وهى أن هذا التقارب الشديد الذى قد يصل إلى حد التماثل التام في عبارات بعض الأنبياء لا يدل على الخلط أو التكرار أو إجراء الكلام نفسه على ألسنة شخصيات مختلفة مما قد يوهم أنها من صنع الخيال، هذا غير جائز البتّة، فإن تكرار القصة بعينها في القرآن الكريم، مرة مختصرة ومرة موسعة، ومرة منشورة وأخرى مطوية له غرضه التعليمى والتهذيبى والتذوقى هذا إلى جانب الغرض التاريخى. إن هذا التكرار أشبه بتكرار الصباح بعد المساء وبتعاقب الفصول المختلفة الصيف والشتاء والربيع والخريف، وكتكرار نور القمر وضوء الشمس على العيون الناظرة. ووجه الحق لقد اعتبر القرآن في هذا اللون من القصص أذواق المخاطبين المختلفة وطباعهم المتباينة وقواهم ومداركهم العقلية والنفسية المتفاوتة فيما بينها، فقدم لكل ما ينشده، ويؤثره ويتأثر به، ويؤثر فيه قيل لمحمد بن سعيد ما هذا الترديد للقصص في القرآن؟ قال: = ليكون لمن قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار = [1] .
فمن الناس من يفضل القصة القصيرة ومنهم المغرم بالأحداث الطويلة والمتشعبة، ثم إن القصص القرآنى قد توزع في سور كثيرة وذلك حتى يجد من يقرأ بعض القرآن
(1) ابن عطية المحرر الوجيز 1/ 15.