يفهم من عبارة ابن عطية أنه كان ممن يجزم بوجود ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم، هذا أولا، وأما ثانيا فإن قول خصوم القرآن بأن بعض كلماته أعجمية لا دليل عليه، وذلك لأنهم لم يكونوا من أهل اللغات، ولا لهم اطلاع على آداب الأغيار حتى يكونوا مؤهلين لإطلاق مثل هذا الحكم، ولا كان محمد كذلك ممن يعرف لغات أجنبية حتى توجه له مثل هذه التهمة، إن هناك أدلة من الشعر العربى على وجود مثل هذه الألفاظ التى تعلقوا بها في اللغة العربية فلماذا إذن لم يوجهوا الاعتراض نفسه للشعراء الذين استعملوها قبل نزول القرآن، إذا كانت المسألة مسألة غيرة على اللغة أو ادعاء عدم فهم بعض مفردات القرآن؟
واضح من كلام ابن عطية ومن الإحصاء الذى قدمه السيوطى في الإتقان أن القرآن، إذا صحت دعوى الأخذ من لغات أخرى، إنما استعمل ألفاظا، مجرد ألفاظ، من بعض اللغات غير العربية والتى كانت مستعملة بلا شك بين العرب، ولو اعتمدنا ما سجله علماء المسلمين أنفسهم من ألفاظ غير عربية لما تجاوزت هذه الألفاظ المائة. وهذه نسبة ضئيلة جدا إذا قورنت بمجموع ألفاظ القرآن البالغة 97439لفظة. وقد بالغ المستشرقون كثيرا في الحكم على كثير من ألفاظ القرآن بأنها أعجمية، وذلك لمجرد وجود تشابه حرفى أو صوتى بين بعض ألفاظ القرآن وألفاظ لغات أخرى، حتى لقد جعلوا كلمة الإسلام نفسها آرامية مشتقة والتى تعنى في أصل وضعها السلام أو تحقيق السلام. كما زعموا أن محمدا لحرصه على تميز رسالته عن اليهودية والنصرانية قد أعطى للكلمة معنى آخر، قالوا ذلك انطلاقا من دعوى أعجمية بعض ألفاظ القرآن التى روج لها خصوم الوحى بمكة، ورد القرآن عليهم في ذلك كما مر بنا ولأن بعض الروايات جاءت بأقوال لبعض الصحابة تفيد وجود بعض ألفاظ غير عربية في القرآن، اجتهد علماء المسلمين في دراسة مفردات الكتاب العزيز وتتبع غرائبها ومصادرها سواء من حيث لهجات العرب أو من حيث لغات الشعوب غير العربية فقد ألف السيوطى كتابا بعنوان = المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب = اختصره في كتابه = الإتقان في علوم القرآن = [1] .
ومن قبله كتب أبو حاتم الرازى كتاب = الزينة في الألفاظ الإسلامية =، وألف الجواليقى كتاب = المعرّب =. وقد استفاد السيوطى من هذين الكتابين كثيرا في = الإتقان =
(1) انظر 2/ 150120.