يذكر الكاتب وجهة نظر أخرى كمقابل لتلك التى ذكرها فيقول إن حذف الهمزة يعتبر من سمات لهجة أهل مكة والمصاحف الكوفية القديمة، وإن لفظ = القرآن = له علاقة وشيجة بالفعل = قرأ = في الاستعمال القرآنى، وينتهى الكاتب إلى القول بأن أصح الأقوال في تقرير هذه المسألة تكمن في أن لفظ = القرآن = كان قد استحدث أصلا في القرآن نفسه لتأدية مفهوم الكلمة السريانية = قريانا =، ولكنه أى لفظ = القرآن = قد أسند إلى صيغة
مصدر عربى يعنى = قرآن =، على وزن = فعلان = المشتق من الفعل = قرأ =، ليكون منسجما مع التراكيب القرآنية وجاريا على قواعد اللغة العربية.
وقبل أن نعرض التفسير الإسلامي الصحيح لكلمة = القرآن =، التي هى عنوان كتاب الله تعالى وأخص أسمائه وأشهرها، لا بد أن نبين الأخطاء التى تضمنها كلام الكاتب، والغرض الذى يهدف إلى تأسيسه في ذهن القارئ.
يزعم ويلش أولا أن لفظة = القرآن = لا تعنى غير القرآن نفسه في كل المواضع التى ذكرت فيها أيا كانت القرينة وسوف نوضح خطأ الكاتب في هذا الزعم، وخطأ استنتاجه كذلك. أما ما ذهب إليه اسكواللى وأيّده فيه معظم المستشرقين من أن لفظة = قرآن = مأخوذة أصلا من الكلمة السريانية = قريانا =، فزعم جافّ لا دليل عليه من قريب ولا من بعيد، وهذا التفسير الغريب لم يخطر ببال أحد من أئمة علماء اللغة العربية، ولا ببال هؤلاء الذين عنوا بجمع مفردات القرآن وتفسيرها.
فالثبت الذى يقدمه لنا السيوطى للألفاظ المعربة في القرآن في كتابه = الإتقان في علوم القرآن = [1] يخلو تماما من هذه اللفظة وقد راجعنا أيضا كلّ ما أتيح لنا من مصادر في هذا الباب، فلم نجد لها أيضا أثرا ولا ظلّا وهذا دليل دامغ على أن كلمة = قرآن = عربية الأرومة والمحتد، وأن اللغة العربية لم تكن لتضيق بلفظة اتخذها الله تعالى عنوانا لكلامه القديم، واسما لكتابه المعجز وبالتالى فإن افتراض الكاتب واعتراضه لا مسوغ لهما.
إن الفعل = قرأ = بمشتقاته المتنوعة يعد من أبرز الأفعال والمشتقات في اللغة العربية، ولكن الكاتب يتجاهل هذه الحقيقة، ويزعم مع جمهور المستشرقين أن عنوان كتاب المسلمين منتحل من لغة أخرى، وينبغى أن يكون واضحا أنّ وجود كلمة = قريانا = السريانية بمعناها المشار إليه آنفا لا يعنى انتقالها إلى القرآن البتة، وإلا للزم أن يعرّفنا المستشرقون متى، وكيف وصلت هذه الكلمة إلى القرآن؟ آخذين في الاعتبار أن كلمة = قريانا = السريانية تطلق كما أشار الكاتب نفسه على مجموعة نصوص مقدسة استلت من كتاب أو كتب معروفة وذلك لاستخدامها كأدعية وابتهالات دينية ضمن الطقوس الكنسية مع أن كلمة = قرآن = تطلق على = القرآن = كله = حقيقة =، وعلى بعضه = مجازا =، كالماء يطلق على البعض كما يطلق
(1) جلال الدين عبد الرحمن السيوطى الإتقان في علوم القرآن تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة مطبعة المشهد الحسينى 1387هـ 1967م.