فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 386

الله تعالى قد راعى الظروف والأحوال والحاجات بالنسبة للمكلفين، كما راعاها في تنزيل القرآن منجما. وقد نسخ تعالى كذلك أحكاما وتكاليف كانت على أمم سابقة، وذلك من باب التخفيف على المسلمين.

والناسخ والمنسوخ في القرآن يعتبر من موضوعات القرآن ومن تعاليمه سبحانه وتعالى والإيمان به واجب، كالإيمان بثبوت الأحكام القرآنية وثباتها، وبأن كل آية في القرآن هى من كلام الله تعالى.

إن ما يشتمل عليه عليه القرآن من ناسخ ومنسوخ معروف لأهل العلم من المسلمين وهو قليل في كتاب الله. وقد ارتبط النسخ بوقت تنزل القرآن، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فغير جائز على الإطلاق [1] ، ومن تحققت معرفته بالنسخ علم أن غالب ما وقع في القرآن من المنسأ، وأن من هذا النسخ ما يرجع لبيان الحكم المجمل، أخّر بيانه لوقت الحاجة أو هو خطاب واحد توسطه خطاب آخر غيره أو هو خصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى. وينبغى أن تعلم أن أنواع الخطاب في القرآن كثيرة ومتنوعة، وربما خلط بعض الناس في فهم النسخ، ونوع الخطاب، مقدرا من الأول ما هو من الأخير [2] .

ومن المفيد أن نلفت النظر إلى ما في قوله تعالى: {مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا} من سرّ ينبغى ملاحظته، وهو أن الله تعالى لم يقل = ما ننسخ من القرآن = لأن القرآن لا ينسخ، وإنما ينسخ حكم في آية بحكم آخر ما، وكلا الحكمين يشملهما كلامه عزّ وجل، كما أشرنا إليه فيما سبق. والقرآن ناسخ لما سبقه من كتب، ومهيمن عليها، وهو خاتمها ولا يأتى بعده ناسخ له أبدا.

والنسخ ثابت بالقرآن، كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: {وَإِذََا بَدَّلْنََا آيَةً مَكََانَ آيَةٍ وَاللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا يُنَزِّلُ} (النحل: 101) . والعلم بالناسخ والمنسوخ واجب على كل مفسر وعالم بكتاب الله متصدر للفتوى ولا يجوز لأحد أن يفسر القرآن، أو أن يفتى إلا بعد أن يلم بهذا العلم. وقد قال الإمام على كرم الله وجهه لأحد القصّاص: = أتعرف الناسخ والمنسوخ = قال: = الله أعلم =، قال: = هلكت وأهلكت = [3] .

(1) انظر: البرهان 2/ 40.

(2) المصدر نفسه 2/ 43، 44.

(3) البرهان 2/ 28، 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت