الصفحة 64 من 2557

يشرطها ـ فيما ذكر الخطيب وغيره ـ سوى الشافعي وأصحابه، لكنه مردود بأن العدالة لا تتم عند كل من شرطها - وهم أكثر العلماء - بدونها، بل من لم يشرط مزيدا على الإسلام، واكتفى بعدم ثبوت ما ينافي العدالة، وأن من ظهر منه ما ينافيها لم تقبل شهادته ولا روايته، قد لا ينافيه. نعم قد حقق الماوردي أن الذي تجنبه منها شرط في العدالة، وارتكابه مفض إلى الفسق: ما سخف من الكلام المؤذي والضحك، وما قبح من الفعل الذي يلهو به ويستقبح بمعرته، كنتف اللحية وخضابها بالسواد، وكذا البول قائما، يعني في الطريق، وبحيث يراه الناس، وفي الماء الراكد، وكشف العورة إذا خلا، والتحدث بمساوئ الناس. وأما ما ليس بشرط فكعدم الإفضال بالماء والطعام، والمساعدة بالنفس والجاه، وكذا الأكل في الطريق، وكشف الرأس بين الناس، والمشي حافيا، ويمكن أن يكون هذا منشأ الاختلاف، ولكن في بعض ما ذكره من الشقين نظر، وما أحسن قول الزنجاني في «شرح الوجيز» : «المروءة يرجع في معرفتها إلى العرف، فلا تتعلق بمجرد الشرع» ، وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان، فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرما للمروءة» (1) .

ويظهر لنا أن سبب عدهم خورام المروءة من قوادح العدالة هو كونها قرينة على خفة دين الراوي واستهتاره، مما ينافي أخذ العلم عنه، فإن هذا العلم دين، غير أنه لما كان مرد المسألة في الأساس إلى العرف فقد حصل فيها الاختلاف، ولم تظهر كسبب مستقل في جرح الرواة، وقد وقفنا على بعض الرواة الذين قدح فيهم العقيلي لخارم من خوارم المروءة منهم:

«فضالة بن مفضل» : عن أبي خيثمة قال: «جئنا إلى فضالة بن مفضل بن فضالة لنسمع منه, فإذا هو قاعد في مسجده يلعب بالشطرنج، فقلت: يا شيخ، جئناك من المسجد لنكتب عنك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت عاكف على هذا؟ فقال: يا ابن أخي، إلي إلي، فذهبنا وتركناه» .

(1) «فتح المغيث» (2/ 5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت