فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 416

على عبادته فبهذا تنالون الخلاص دون غيره، وقد قيل في «كيتا» : من أمات شهوته لم يتجاوز الحاجات الاضطراريّة ومن لزم الكفاف لم يختز ولم يسترذل، وقيل فيه أيضا: إن كان الإنسان غير مستغن عمّا تضطرّ الطبيعة إليه من مطعوم يسكّن نائرة المسغبة ونوم يزيل عادية الحركات المتعبة ومجلس يهدأ فيه فمن شريطته النظافة والوثارة والتوسّط في الارتفاع عن وجه الأرض والكفاية من انبساط البدن عليه وموضع معتدل المزاج غير مؤذ ببرد أو وهج مأمون فيه اقتراب الهوامّ فإن ذلك معين على تحديد القلب لإدامة الفكرة في الوحدانيّة لأنّ ما عدا الضروريّات في المأكول والملبوس ملاذّ وهي شدائد مستورة والاسترواح إليها منقطع وإلى أشقّ مشقّة مستحيل وما اللّذة إلّا لمن أمات العدوّين اللذين لا يطاقان أعني الشهوة والغضب في حياته دون مماته واستراح من داخله دون خارجه فاستغنى عن حواسّه، وقال «باسديو، لأرجن» : إنّ كنت تريد الخير المحض فاحرس أبواب بدنك التسعة واعرف الوالج فيها والخارج واحبس فؤادك عن نشر أفكاره وسكّن النفس بتذكّر كوّة اليافوخ التي انسدّت واشتدّت بعد لينها فلم يحتج اليها ولا تر الإحساس إلّا طباعا في آلات الحواسّ حتى لا تتبعه، والقسم الثاني الغفليّ بمعرفة سوءة الموجودات المتغيّرة والصور الفانية حتى ينفر القلب عنها وينقطع الطمع دونها ويحصل الاعتلاء على القوى الثلاث الأول التي هي سبب الأعمال واختلافها، وذلك أنّ المحيط بأحوال الدنيا يعلم أنّ خيرها شرّ وراحتها مستحيلة في المكافاة إلى شدة فيعرض عمّا يؤكّد الارتباك ويولد المقام، وفي كتاب «كيتا» : إنّ الناس قد ضلّوا في الأوامر والنواهي ولم يهتدوا لتمييز الخير من الشرّ في الأعمال فتركها والتخلّي عنها هو العمل، وفيه أيضا: إنّ طهارة العلم تفوق طهارة سائر الأشياء لأنّ بالعلم استئصال الجهل واستبدال اليقين بالشكّ الذي هو مادّة العذاب فلا راحة لشاكّ ومعلوم من ذلك أنّ القسم الأوّل آلة للقسم الثاني ثم القسم الثالث أولى أن يكون آلة لكليهما وهو العبادة ليوفّق الله لنيل الخلاص ويؤهّل لقالب ينال فيه التدرّج إلى السعادة، وقد قسم العبادة صاحب كيتا على

البدن والصوت والقلب، فعلى البدن الصوم والصلاة وموجبات الشريعة وخدمة الملائكة وعلماء البراهمة وتنظيف البدن والتبرّؤ من القتل أصلا ومن ملاحظة ما للغير من النساء وغيرهنّ، وعلى الصوت القراءة والتسبيح ولزوم الصدق وملاينة الناس وإرشادهم وأمرهم بالمعروف، وعلى القلب تقويم النيّة وترك التعظّم ولزوم التأنّي وجمع الحواسّ مع انشراح الصدر، ثمّ اتّبعها بقسم رابع خرافيّ ويسمّى «رساين» وهي تدابير بأدوية تجري مجرى الكيمياء في تحصيل الممتنعات بها، وسيجيء لها ذكر وليس لها بهذا (1) الفنّ اتّصال إلّا من جهة العزيمة وتصحيح النيّة بالتصديق لها والسعي في تحصيلها. وإنّما ذهبوا في الخلاص إلى الاتّحاد لأنّ الله مستغن عن تأميل مكافاة أو خشية مناواة، بريء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، عالم بذاته لا بعلم طاريء لما لم يكن له بمعلوم في حال ما، وهذا أيضا صفة المتخلّص عندهم فلا ينفصل عنه فيها إلّا بالمبدإ فإنه لم يكن في الأزل المتقدّم كذلك من أجل أنّه كان قبله في محلّ الارتباك عالما بالمعلوم وعلمه كالخيال مكتسب بالاجتهاد ومعلومه في ضمان الستر، وأمّا في محلّ الخلاص فالستور مرفوعة والأغطية مكشوفة والموانع مقطوعة والذات عالمة غير حريصة على تعرّف شيء خفي منفصلة عن المحسوسات الداثرة متّحدة بالمعقولات الدائمة، ولذلك سأل السائل في خاتمة كتاب «پاتنجل» عن كيفيّة الخلاص؟ فقال المجيب: إن شئت فقل هو تعطّل القوى الثلاث وعودها إلى المعدن الذي صدرت عنه، وإن شئت فقل هو رجوع النفس عالمة إلى طباعها وقد اختلف الرجلان فيمن حصلت له رتبة الخلاص، فسأل الناسك في كتاب «سانك» لم لا يكون الموت عند انقطاع الفعل؟ قال الحكيم: من أجل أنّ الموجب للانفصال حالة نفسانيّة والروح بعد في البدن ولا يفرّق بينهما إلّا حال طبيعيّ مفرّق للالتئام وربّما بقي التأثير بعد زوال المؤثر مدّة يفتر فيها ويتراجع إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت