فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 416

الإنسان السباع والبهائم بل الشياطين والأبالسة، وعلى إيثار القوة النطقيّة العقلية التي بها يشابه الملائكة المقرّبين، وعلي الإعراض عن أعمال الدنيا وليس يقدر على تركها إلّا برفض أسبابها من الحرص والغلبة وبذلك تنخزل القوّة الثانية من الثلاث الاول، إلّا أنّ ترك العمل يكون على وجهين، أحدهما بالكسل والتأخير والجهل على موجب القوّة الثالثة وليس هذا بالمطلوب فإنّه مذموم المغبّة والثاني بالاختيار والتبصرة وإيثار الأفضل للخيرورة وهو المحمود العاقبة، وترك الأعمال لا يتمّ إلّا بالعزلة والانفراد عن الشاغلات ليتمكّن من قبض الحواسّ عن المحسوسات الخارجة حتى لا يعرف أنّ وراءه شيء وتسكين الحركات والتنفّس، فقد علم أنّ الحريص ساع والساعي تعب والتعب ضابح فالضبح إذن نتيجة الحرص وبانقطاعه يصير التنفّس على مثال تنفّس المستغني عن الهواء في قرار الماء وحينئذ يستقرّ القلب على شيء واحد وهو طلب الخلاص والخلوص إلى الوحدة المحضة وفي كتاب «كيتا» : كيف ينال الخلاص من بدّد قلبه ولم يفرده لله ولم يخلص عمله لوجهه؟ ومن صرف فكرته عن الأشياء إلى الواحد ثبت نور قلبه كثبات نور السراج الصافي الدهن في كنّ لا يزعزعه فيه ريح وشغله ذلك عن الإحساس بمؤلم من حرّ أو برد لعلمه أنّ ما سوى الواحد الحقّ خيال باطل وفيه أيضا: إنّ الألم واللذّة لا يؤثران في العالم الحقيقي كما لا يؤثر دوام انصباب الأنهار إلى البحر في مائه، وهل يقدر على تسنّم هذه الثنيّة إلّا من قم؟؟؟ الشهوة والغضب وأبطلهما؟ ولأجل هذا الذي ذكر يجب ان تتّصل الفكرة اتّصالا يزول عنها العدد لأنّ العدد يقع على المرّات والمرّات لا تكون إلّا بسهو يتخلّلها فيفصل ما بينها ويمنع عن اتّحاد الفكرة بالمتفكّر فيه، وليست هذه هي الغاية المطلوبة إنّما هي اتّصال الفكرة وإليها يتدرّج إمّا في القالب الواحد وإمّا في القوالب بالتزام السيرة الفاضلة وتعويد النفس فيها حتّى تصير لها طبيعة وصفة ذاتيّة، والسيرة الفاضلة هي التي يفرضها الدين، وأصوله بعد كثرة الفروع عندهم راجعة إلى جوامع عدة هي أن لا يقتل ولا يكذب ولا يسرق ولا يزني ولا يدّخر ثم يلزم القدس

والطهارة ويديم الصوم والتقشّف ويعتصم بعبادة الله تسبيحا وتمجيدا ويديم إخطار «اوم» التي هي كلمة التكوين والخلق على قلبه دون التكلّم به، وذلك أنّ ترك الإماتة في الحيوان هو نوع جنسه الكفّ عن الإيذاء والإضرار، ويدخل فيه اغتصاب ما للغير والكذب بعد ما فيه من القبح والنذالة، وفي ترك الادّخار نفض التعب والأمان من طالب الفضلة وحصول الراحة من ذلّ الرّقّ بعزّ الحرّيّة، وفي لزوم الطهارة وقوف على قذر البدن وداعية إلى بغضه وحبّ النفس الطاهرة، وفي تعذيب النفس بالتقشّف تلطيفه وتسكين شرّته وتذكية حواسّه، كما قال «فيثاغورس» لرجل ذي عناية بإخضاب بدنه وإنالته الشهوات: إنك غير مقصّر في تشييد محبسك وتقوية رباطك وإيثاقه، وفي الاعتصام بذكر الله تعالى والملائكة تألّف معهم ففي كتاب «سانك» : إنّ كلّ شيء يظنّه الإنسان غاية له فإنّه لا يتعدّاه، وفي كتاب «كيتا» : كلّ ما أدام الإنسان التفكّر فيه والتذكّر له فمنطبع فيه حتى أنّه يهدى به من غير قصد ولأنّ وقت الموت هو وقت التذكّر لما يحبّه فإذا فارق الروح البدن اتّحد بذلك الشيء واستحال إليه، وكلّ ما له ذهاب وعود فالاتّحاد به ليس بالخلاص الخالص، على أنه قيل في هذا الكتاب: إنّ من عرف عند موته أنّ الله هو كلّ شيء ومنه كلّ شيء فإنّه متخلّص وإن قصرت رتبته عن رتب الصدّيقين، وفيه أيضا: اطلب النجاة من الدنيا بترك التعلّق بجهالاتها وإخلاص النّية في الأعمال وقرابين النار لله من غير طمع في جزاء ومكافاة واعتزال الناس الّذي حقيقته أن لا تفضل واحدا لصداقة على آخر لعداوة وتخالف الغفلة في النوم وقت انتباههم والانتباه وقت رقادهم فإنّه عزلة عنهم على شهادة (1) معهم، ثم حفظ النفس عن النفس فإنّها العدوّ إذا اشتهت ونعم الولي إذا عفّت، وقد قال سقراط عند قلّة اكتراثه بالقتل وفرحه بالوصال إلى ربّه: ينبغي ان لا تنحطّ رتبتي عند أحدكم عن رتبة «قوقنس» (2) الّذي يقال إنّه طائر «آبلون الشمس» وإنّه يعلم الغيب لذلك وإنّه إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت