فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 416

«سندنشك» وإنّما عددنا هذا لنعرّف من الذنوب ما يكره عندهم من الأفعال، ومنهم من يرى الواسطة التي للاكتساب هي الإنسانيّة والتردّد فيها بالمكافاة القاصرة عن الثواب والعقاب ثمّ يرى الجنّة عالية عليها للنعيم المستوجب مدّة على حسن الصنيعة، والتردّد في النبات والحيوان سافلا عنها للعذاب والعقاب المستأهل مدّة على سوء الصنيعة ولا يرى جهنّم إلّا هذا الانحطاط عن البشريّة وهذه كلّها من أجل أنّ طلب الخلاص من الرباط ربّما لم يكن على طريقه المستقيم المؤدّي إلى العلم اليقين بل على طرق مظنونة وبالتقليد مأخوذة، ولن يضيع عمل عامل هو خاتمة أعماله بعد الموازنة بين نوعي الاكتساب ولكنّ الجزاء يكون بحسب المقصود فينا له على مراتب إمّا في قالبه الذي هو فيه وإمّا في الذي ينتقل إليه وإمّا بعد خروجه عن قالبه وقبل أن يحصل في غيره، وهذا موضع انقلابهم عن البحث النظري إلى الخبر الملّىّ من أمر معدني الثواب والعقاب والكون فيهما غير متجسّم ببدن والعود بعد استيفاء أجر العمل إلى التجسّد والتأنّس ليستعدّ لما هو له، ولهذا لم يعدّ صاحب كتاب «سانك» ثواب الجنّة خيرا بسبب الانقضاء وعدم التأبّد وبسبب مشابهة الحال فيها حال الدنيا من التنافس والتحاسد لأجل تفاضل الدرجات والمراتب فإنّ الغلّ والحسرة لا يزول إلّا بالتساوي، والصوفيّة لا يعدّونها خيرا من جهة اخرى وهي التلهّي بغير الحقّ والاشتغال عن الخير المحض بما سواه. وقد قلنا: إنّهم يرون الروح في هذين المحلّين مجرّدة عن الجسميّة لكنّ هذا رأي خاصّتهم الذين يتصوّرون النفس قائمة الذات وأمّا من ينحطّ عن رتبتهم ولا يكاد يتصوّر قوامها بغير جسد فإنّهم يرون في ذلك آراء مختلفة، فمنها أنّ سبب النزع هو انتظار الروح قالبا معدّا فلا تفارق البدن إلّا بعد وجود متعلّق يشبه فعله وكسبه ممّا أعدتّه الطبيعة جنينا في الأرحام أو بزرا نابتا في بطن الأرض فحينئذ تترك البدن الذي هي فيه، ومنهم من يقول من جهة الأخبار إنها ليست تنتظر ذلك وإنّما تفارق قالبها لرقّته وقد هيّئ لها من العناصر بدن يسمّى «آت باهك» وتفسيره «الكائن بسرعة، لأنّه لا يحصل على وجه الولاد فيكون فيه سنة

جرداء في أشدّ شدّة سواء كان مثابا أو كان معاقبا فهو كالبرزخ بين الكسب وبين نيل الأجر، ولذلك يقيم وارث الميّت عندهم رسوم السنة على الميّت ولا تنقضي إلّا بانقضائها لأنّ الروح تذهب حينئذ إلى المحلّ المعدّ لها ونحن نذكر هاهنا أيضا من كتبهم ما يصرّح بهذه المعاني، ففي «بشن پران» : إنّ «ميتري» سأل «پراشر» عن الغرض في جهنّم والعقاب به؟ فأجابه بأنّ ذلك لتمييز الخير من الشرّ والعلم من الجهل وإظهار العدل، وما كلّ مذنب يدخل جهنّم فإنّ منهم من ينجو بتقديم التوبة والكفّارات وعظماها التزام ذكر «بشن» في كلّ عمل، ومنهم من يتردّد في النبات وخشاش الطير ومرذول الهوامّ وقذرها [1] من القمل والدود إلى مدّة الاستحقاق وفي كتاب «سانك» : أمّا من استحقّ الاعتلاء والثواب فإنّه يصير كأحد الملائكة مخالطا للمجامع الروحانيّة غير محجوب عن التصرّف في السماوات والكون مع أهلها أو كأحد أجناس الروحانيّين الثمانية، وأمّا من استحقّ السفول بالأوزار والآثام فإنّه يصير حيوانا أو نباتا ويتردّد إلى أن يستحقّ ثوابا فينجو من الشدّة أو يعقل ذاته فيخلّي مركبه ويتخلّص وقال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلّمين: إنّه على أربع مراتب هي النسخ وهو التوالد بين الناس لأنّه ينسخ من شخص إلى آخر، وضدّه المسخ ويخصّ الناس بأن يمسخوا [2]

قردة وخنازير وفيلة، والرسخ كالنبات وهو أشدّ من النسخ لأنّه يرسخ ويبقى على الأيّام ويدوم كالجبال وضدّه الفسخ وهو للنبات المقطوف [3] والمذبوحات لأنّها تتلاشى ولا تعقب وذهب أبو يعقوب السجزي الملقّب [4] في كتاب له وسمّاه بكشف المحجوب إلى أنّ الأنواع محفوظة وأنّ التناسخ في كل واحد منها غير متعدّ إلى نوع آخر وقد كان هذا رأي اليونانيّين فإنّ يحيى النحوي يحكي عن أفلاطن

(1) من ز، وفي ش: وقذره.

(2) من ش، وفي ز: يمسخون.

(3) من ز، وفي ش: المعطوف.

(4) بياض في ش وز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت