فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 1140

وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ناس من أقارب ثعلبة، فذهبوا إليه فأخبروه بما أنزل الله فيه، فجاء بصدقة ماله، فقال: يا رسول الله، اقبلها مني، فقال: «إن الله منعني أن أقبلها منك» .

فجعل على رأسه التراب وجعل يقول: يا رسول الله اقبلها مني: فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن يقبلها منه، حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أتى أبا بكر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، قد علمت موضعي من الأنصار، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قد عتب علي في شيء فاقبل مني صدقة مالي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ما قبلها منك وأنا أقبلها منك.

فتوفي أبو بكر ولم يقبلها منه.

فاستخلف عمر رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبل منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر رضي الله عنه فأنا أقبلها منك، ثم توفي عمر رضي الله عنه ولم يقبلها.

واستخلف عثمان رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ولا أبو بكر ولا عمر، فأنا أقبلها منك، فأبى أن يقبلها، فرجع، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنهم أجمعين.

فإن قال قائل: ما وجه الامتناع من قبول صدقته بعدما جاء بها وأظهر التوبة، وجعل على رأسه التراب.

قيل: إن الكتاب قد نطق بأنه لما منع عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، أعقبه الله نفاقًا في قلبه.

فيحتمل ـ والله أعلم ـ أنه إنما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - خيفة أن يبدأه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بالعقوبة، وينفذ إليه من يأخذ صدقة ماله قهرًا.

وأنه لما رأى الامتناع من رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - من أخذ صدقته لم يشق عليه ذلك بل أعجبه، وكان جعله التراب على رأسه نفاقًا، وكان الذي في قلبه أراد أن يثبت النبي - صلى الله عليه وسلّم - على الامتناع من قبول صدقته، وأعلم الله تعالى ذلك نبيه - صلى الله عليه وسلّم - بأخذ صدقة ماله بعد أن نافق، ولم يشرح صدرًا، بقبول الزكاة وسماه جزية، ويسخطها ويضجر منها.

ثم جرى الأئمة بعده لله ورضي عنهم على منهاجه، إذ كان لا يمنعهم أن يخالفوه.

وقد يجوز أن يكون بدء نقافه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «قليل يقوم بشكره، خير من كثير لا يقوم بشكره» .

فخوفه أن لا يقوم بشكر الكثير إن أوتيه لم يخف من ذلك ما خوفه ولم يتق فيه، ولا يزال عليها، ولكنه أقسم عليه - صلى الله عليه وسلّم - في وجهه بالله، لئن أتاه من فضله أتاه مالًا، ليعطين كل ذي حق حقه، فكان ذلك نفاقًا فلما رزق المال وفرض الله الزكاة نسخها وضاق منها.

ثم نفاقه علم به، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن قبولها لذلك والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت