فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 1140

فلما كان العتق يعفي على آثار جنايات مغلظة، علمنا أنه في معاني القربة غليظ الأجر، عظيم القدر.

ثم إن الله - عز وجل - جعله فدية للنفس إذا قتلت بغير حق، فكان ما عطل بقتلها من حق العبادة التي كان لله تعالى فيها، وكان خلقه إياه لها، وقبله تبارك وتعالى فدية لحرمة الشهر إذا انتهكها الصائم بالمباشرة فيه.

فزاد ذلك بيانًا لفخامة قدره وعلو شأنه وأمره والله أعلم.

ووجه القربة فيه ـ والله أعلم ـ أن العبد كسيده نفسًا وأوصافًا، إلا أن بعض أحكامه غير أحكام سيده، فقد ملكه الله تعالى إياه، وجعله تحت يده، وقصر قدره عن قدر سيده، فلم يتسع الملك المال، واعتزل لذلك عن طريق الزكاة والحج والجهاد والجمعة التي هي أركان الإسلام، وإذا أعتقه سيده يضمن ذلك معاني:

فمنها: أنه يعرف المجانسة والمشاكلة، وذلك كمعرفة حق القرابة والمجاورة، فيرضى له ما هو ثابت له في نفسه من الجزية وانبساط المقدرة، فيجري ذلك مجرى الصدقة على القريب والجار البصير التي مثل حاله من الوجد والسعة والغناء والشرف.

ومنها: أنه يخلصه به من ذل وقهر إذا تفكر فيهما اشتدا عليه، فيكون ذلك نظير تخليص الأسير من أسره والمحبوس المستذل من حبسه.

ومنها: أنه يضع عنه الخدمة الناقصة الشاغلة له عن كثير من أمر نفسه، فيكون كمن يبرئ غريمه من ذنبه أو يعفي أجيره من عمله.

ومنها: أنه يمكنه من منافع نفسه الذي يقوم له مقام المال، فيكون كمن يتصدق على فقير فيعينه ويموله ويكفيه.

ومنها: أنه يعرضه ليملك الأموال فيصير بها ممن يتقرب إلى الله تعالى بالزكوات ونوافل الصدقات، والتكرم بالعطايا والهبات، فيكون أيضًا كأنما أغنى فقيرًا أو أغنى مسكينًا.

ومنها: أنه يجعله من أهل حجة الإسلام والجهاد في سبيل الله والجمعة، فيكون كالحامل والمعين في سبيل الله جهادًا وحجًا.

ولا بنظام العتق بهذه المعاني صار فدية لنفس القتل.

وذلك أن القاتل أعجز القتيل عن عادات كان قادرًا عليها، فأصر أن يقدمه في حق الله تعالى، بأن يقدر نفسًا على عبادات كانت عاجزة عنها.

فلما انتظم العتق هذه المعاني صار برًا وقربة، ووجب لذلك من شعب الإيمان كالصيام والإطعام والصدقة والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت