فإن سأل سائل عن بعض ما في هذا الحديث فقال: لم قبلتم الجزية من أهل الكتاب وكففتم بها عنهم، وفي ذلك إيهامهم أنكم تقاتلونهم على المال دون الدين: وأقل ما في ذلك أن تسلكهم هذا منكم في أمركم، وتظنوا أنكم لستم على بصيرة من دينكم.
فإن أرادوا الدخول في الإسلام لم يدخلوا، وإن هموا برفض الكفر توقفوا، فهلا أخذتم الكفار كلهم مجرى واحد وقابلتموهم أو تسلموا.
فالجواب: ـ وبالله التوفيق ـ إنا إنما نقبل الجزية من كافر متمسك بما كان أصله دينًا لله من قبل، وكان ذلك موروثًا له من آبائه الأصليين في ذلك الدين أو الداخلين فيه، مبعث النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، ومن كان بخلاف هذه الصفة لم نقبل منه الجزية.
ووجه هذا أن الذين ذكرناهم لم يقصدوا التغليظ من الدين، وترك العبادة أصلًا، لكنهم تمسكوا بما كان أصله في وقته حقًا، فلم يجز أن نهجم عليهم بالقتل إذا كانوا لا يقاتلون، لأنا إنما نقاتلهم على شروط الذين تداخلوا أنهم ليلتزموها ويضموها إلى الأصل الذي هم مغرمون به.
فلو قتلناهم قبل أن نيأس من إجابتهم، لقوينا المقدار الذي هم باذلون به من التدين، ولناقض ذلك دعاؤهم إلى ضم غيره وزيادة ما يعوله عليه.
فثبت بهذا أنهم إذا كانوا غير مقاتلين، فواجب أن نكف عنهم ولا نبدأهم بالقتال حتى نقدم فيه دعوة.
فإن لم يجيبونا ولم يسألونا إمامًا ولا عهدًا، فقد تعرضوا للقتال وأيسرنا من رشدهم، فجاز لنا قتالهم.
وإن كانوا متمسكين من الديانة بشيء، لأن ذلك المقدار على الانفراد ليس بدين ولا هو مقبول لله - عز وجل - منهم، ولا نافع إياه عندهم بوجوده وعدمه سواء.
وكان تطهير الأرض منهم أولى من أن يتركوا متقلبين في نعمة الله غير دائنين دينه الذي ارتضاه لهم ودعاهم إليه.
فإن طلبوا منا أمانًا عقدنا لهم وأمسكنا به عنهم بقول الله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} .
ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ أن القرآن أخذ بمجامع القلوب وحجة باهرة للقبول، فيرجوا أنهم إذا اختلطوا بنا وشاهدوا أعلام ديننا، وسمعوا كلام ربنا، وسنن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - استبصروا ونزعوا عن كفرهم وأسلموا، فكان عقد الإيمان لهم رفقًا، يرجو أن يعود بما لا يعود به العنف، فقدمناه وآثرناه.
وأما إن عرضوا علينا الجزية ودعوناهم إليها وأجابوا، وجب الكف عنهم لقول الله عز وجل: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .