فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 1140

فأما سائر الأعمال المفروضة على العبد فليس في شيء منها هذا المعنى، وإنما كلها أعمال تؤدي مع بقاء النفس وسلامتها، فصار ذلك فرقًا بينه وبينها.

وأما قوله: «وأنا أجزي به» .

فمعناه ـ والله أعلم ـ وأنا القائم بجزائه، والمالك له وليس ذلك مما أخبرتكم به من أن الحسنة بعشر أمثالها.

فإن مثل النفقة في سبيل الله {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} .

لكن جزاء الصوم يجل عن هذا كله وأنا أعلم به وإلي أمره.

فإن ذكر ذاكر الجهاد في سبيل الله، فليعلم أن الجهاد غير مود إلى الهلاك الذي يؤدي حبس الطعام والشراب عن البدن، لأن الله - عز وجل - أخبر أن الأمر بخلاف هذا، ونهانا أن نقول لمن يقتل في سبيل الله أنه ميت، ووصفه بأنه حي عنده يرزقه، وأنه فرح مستبشر، ثم يرجو أن يلحقه من إخوانه.

ولم يخبرنا - عز وجل - عمن كان الصوم سببًا لهلاكه بمثل هذه الحال.

فعلمنا أنه كسائر الأموات الذي ينقطع عنهم رزق الدنيا، فلا يصلون إلى رزق الآخرة ـ يعني يوم القيامة ـ وينقضي الحساب ويصارون إلى الجنة، فكانت المقارنة بالجهاد متناقضة من هذا الوجه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: إن الصوم مؤد إلى الهلاك وهو منهي عنه إذ خيف الهلاك؟

قيل: هو منهي إذا كان يريد الصوم مجهودًا بمرض أو سفر أو كبر، فيكون الهلاك إذا حدث حادث من مجموع الجهتين: الصوم وغيره.

وليس إذا كان التعرض للهلاك بمجرد الصيام قرينة، وجب أن يكون التعرض له بكل شيء مثله.

فإن التعريض المال للنقصان بالصدقة قرينة، ولا يجب أن يكون تعريضه بكل شيء قرينة.

فإن هذا الذي ورد به الكتاب من وضع الصوم عن المريض، والمسافر والشيخ الكبير يبين ما يجري في تقريره.

لأن المريض والمسافر لما رخص لهما في الفطر أمر بالقضاء، ولو لم يكن تعريض البدن للهلاك أو النقصان بالصوم من جملة حقوق الله تعالى على عباده، لأسقط الصوم إلى قضاء، كما أسقط الركعتين من المسافر لا إلى قضاء، وأسقط عن المريض القيام لا إلى قضاء.

ولما لم يسقط علمنا أنه وضع عنه الصوم وحده لئلا ينقصهما أو يتبعهما اجتماع الصوم وغيره، فلا يكون ما يحدث عليهما من ذلك من الهلاك عن الصوم وحده، وهكذا الشيخ الكبير لما وضع عنه الصوم ألزمه الفدية.

فكان المسكين للحياة بطعام يؤتيه مقام ما يتركه من تعريضه نفسه للهلاك بالصوم، لأنه لو صام وهلك لم يكن يهلكه الصوم بانفراده هو القاتل له.

ولو لم يكن ذلك في معنى المستحق لسقط عنه الصوم بالفدية كالصلاة إذا عجز عنها، ولما كان الصوم إذا عجز عنه سقط إلى الفدية، علمًا أن ذلك إنما كان من الوجه الذي ثبت والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت