فصل: فقد ظهر أن فرض الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين.
وهذا هو الذي استقر بالكتاب، ودل الكتاب على أن الغسل بالماء، ثم آيات الله - عز وجل - بقوله: {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} .
والنبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إنما الأعمال بالنيات» أن الوضوء لا يعتقد عبادة إلا بنية.
وزاد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في الوضوء نوافل سنها بأمر الله عز وجل: فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء.
ومنها تسمية الله - عز وجل - عند هذا الغسل.
ومنها المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه من كف واحد.
ومنها استيعاب الرأس بالمسح.
ومنها مسح الأذنين وإدخال الإصبعين في الصماخين.
فأما تخليل أصابع الرجلين فإنه احتياط يستيقن المتوضيء أن الماء قد وصل إلى بطون الأصابع.
وإنما تكرير هذه الأعمال ثلاثًا ثلاثًا فيكره مجاوزة الثلاث.
وأما غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فإنه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يداه» .
وأما التسمية فقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» .
وأما المضمضة والاستنشاق فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من الفطرة المضمضة والاستنشاق» .
وجاء عنه أنه توضأ فأدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق من كف واحد.
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من توضأ فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه وأنفه» .
وأما استيعاب الرأس بالمسح، فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وضع كفيه على مقدم رأسه ثم مر بهما إلى القفاء، ثم رجعهما إلى المكان الذي بدأ منه.
وأما تخليل أصابع الرجلين فإنه روي عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «خللوا أصابعكم قبل أن يخللها الله تعالى بالنار يوم القيامة» .
وأما مسح الأذنين، فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما.
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه أدخل إصبعيه في أذنيه فأخذ ماء جديدًا لهما، فلأنهما عضوان على حالهما، ولا يحال في الوضوء عضو على عضو.
وأما التثليث، فإنه يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - توضأ مرة مرة.
فقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين.
ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم».