فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1140

والتأويل الثاني: أن نقصان الإيمان قد يكون من هذا الوجه، وقد يكون نقصانًا يلحقه بارتفاع شعبة شعبة، كانت موجودة فبطلت عليه وارتفعت، فنقص إيمانه.

يعني أن الزيادة التي كانت لإيمانه لأجل تلك الشعبة، فلما عدمت فحل النقص محلها وأخذ مكانها.

وذلك عند قائل هذا القول أن يأتي الرجل بفرع أو أكثر من فروع الإيمان، لم يرتكب معصية وذلك أن هذه المعصية تحبط ما تقدمها من الطاعات بقدرها، فيصير ذلك القدر من الطاعة كأن لم يكن منه، وذلك إيمان كان حاصلًا له، فلما حبط كان جزءًا من إيمانه نقص.

واحتج بصاحب هذه المقالة: أن المعاصي خلاف الطاعات، كما أن الكفر خلاف أصلا الإيمان، فلما كانت الطاعات فروع الإيمان وجب أن تكون المعاصي فروع الكفر.

ثم إذا وجب ذلك، وكان الكفر محبطًا لأصل الإيمان إذا طرأ عليه، وجب أن تكون المعاصي التي هي فروعه محبطة بقدرها من الطاعات التي هي فروع الإيمان إذا طرأت عليها.

فإذا قيل لهؤلاء إذا أجزتم أن تحبط المعصية قدرها من الطاعة، أتقولون إن المعاصي إذا تتابعت وكتبت، وقلت الطاعات فأحبطتها المعاصي، ولم يبق إلا أصل الإيمان، إن ما بقي من المعاصي يحبط من أصل الإيمان سببًا؟.

وما تقولون في كافر أسلم.

فكان أول عمل استقبله بعد إسلامه معصية واقعها انتقص تلك المعصية! من قالوا: كلا، الفرع لا يعترض على الأصل، وإنما يعترض الفرع على فرع مثله، وعلى الأصل أصل مثله، فيكون حاصل قول هؤلاء في نقص المعصية الإيمان.

وأنها تنقص ما زاد على الأصل.

فأما الأصل فغير محتمل للنقصان.

والأصل محتمل الزيادة فجعلوا محل النقصان غير محل الزيادة، ودخلوا في معنى من يقول: الإيمان يزيد ولا ينقص وهم يشعرون.

واحتج هؤلاء لقولهم بقول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} .

وإنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يوقع معصية، فيخرج إيمان الرافع ويحبط بعض عمله.

وإنما قال: {أَعْمَالُكُمْ} لأن الخطاب للجماعة، فإذا أحبط لكل واحد منهم بعض عمله فإنما هي أعمال أحبطت، والله أعلم.

واحتجوا بقول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} .

قالوا: أبان الله تعالى بهذه أن العبادة قد تحبط مع بقاء الإيمان بجناية تكون من صاحبها، وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن الإيمان: هل يزيد؟ فقال: نعم.

فقيل: أينقص؟ قال: نعم، وقد أخاف أن ينقص حتى يذهب كله.

وفي رواية أخرى أنه قال: ينقص حتى لا يبقى معك مثل هذا، وقلل أصابعه.

وهذا ليس فيه الاحتراز الذي حكيته عن أصل القول الأول.

وقد علم أن سفيان لم يكن ممن يكفر أهل القبلة بالذنوب، فإنما يخرج جوابه على هذا: إن المعاصي تحبط الطاعات بل يحترز عن هذه العبادة فلا يطلق أصلًا، لأن عصاة المؤمنين يأملون من الله العفو أما ابتداء أو تفضلًا أو بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلّم - .

ومعلوم أن الله تعالى إذا عفا عنهم وضع السيئات وأثابهم على الحسنات، فلو كانت حبطت لم يكن للشفاعة ولا للعفو معنى! ألا ترى أن الكفر إذا أحبط الإيمان لم يكن فيما حبط منه شفاعة وكذلك لو حبط فروعه بالمعاصي لم يكن فيما حبط منها بشفاعة ثم بسنة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت