فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 1140

فصل: فإذا مات الأحياء كلهم تركوا أربعين سنة، ثم نفخ في الصور نفخة الأحياء واتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين، وقال العلماء: هي أربعون سنة، وذلك ـ والله أعلم ـ بعد أن يجمع الله تعالى ما يفرق من أجساد الناس من بطون السباع وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه، وما أبلته الشمس وذرته الرياح.

فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها ولم يبق إلا الأرواح، جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل صلوات الله عليه.

فإن سلها بنفخة من نفث الصور، فرجع كل روح إلى جسده بإذن الله تعالى.

وجاء في بعض الأخبار: ما يبين أن كل شيء أكله طائر أو سبع حشر من جوفه أو هو ما رواه الزهري عن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بحمزة يوم أحد، وقد جدع ومثل به فقال: «لولا أن نجد صفته في نفسها لتركتها حتى يحشره الله تعالى من بطون السباع والطير» .

فإن سأل سائل عن كافر أكل لحم مؤمن، أو مؤمن أكل لحم كافر، كيف يحشر هؤلاء؟

قيل له: الله أعلم بذلك، لكن الذي تبلغنا علمه فيه، هو أن الكافر إذا أكل لحم مؤمن لم يرجع لحمه من بدن الكافر إلى بدن المؤمن، إذا كان قد بقي في جوف الكافر، وصار غذاءًا له.

فأما إن أكله فمات أو قيل: قبل أن يصير غذاءًا له، فإنه يرجع منه عند البعث إلى بدن المؤمن، وإذا لم يرجع في الحالة الأولى عوض المؤمن مثله، وأكمل جسده، ونفخ فيه روحه فقام بإذن الله تعالى حيًا.

وعلة هذا ـ والله أعلم ـ أن تلك الأجزاء التي انقلبت بدن كافر، بعد أن كانت من بدن المؤمن، فقد وجد منه الكفر والمعاصي بها، فلو أعيد إلى بدن المؤمن فأدخل الجنة لكان قد أدخل الجنة أجزاء من كافر، وليست الجنة دار الكفار.

فصح إذا أنها تصار إلى النار ويعوض المؤمن من أمثلها إختراعًا يخترعه الله عز وجل.

فإن قيل: وكذلك إذا قلتم أنها لا تعاد إلى بدن المؤمن، قلتم أنها تصار إلى النار، وفي ذلك إبطال ما عمل المؤمن بها من الطاعات أيام حياته.

فالجواب: أن ذلك لا يبطل عمل المؤمن، وإنما يبطل بنعم تلك الأجزاء التي انقلبت فصارت من بدن الكافر بالثواب، وذلك لأن الثواب إنما هو لنفس المدين، ولكن أيضًا من بدنه إذا سلمت له وصلت نعمة الثواب إلى نفسه من أماكن شتى، فإذا مات بعضها وصلت هذه النعمة إليه مما بقي من عرض ما فات.

وأما الأجزاء الفانية التي صارت من بدن الكافر، فإنها لا تنعم بشيء، فإن ذلك لو كان يفرح به الكافر ولم يشعر به المؤمن الذي كانت هذه الأجزاء من بدنه، وذلك غير جائز والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت