وأما ما في باب الإحسان من قوله - عز وجل - في قصة إبراهيم عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} .
فإنما هو إشارة للبشرى والترغيب، لأن الله - عز وجل - لما ركب فيها العقل الذي يتوصل به إلى معرفته ليستدل به بمعرفته وحده.
فلما أراد عدوه ألقاه في النار توكل على الله، وآثر ما لديه فلم يرجع عن دينه، ولما اضطره إلى الجلاء عن وطنه هاجر وقطع الأقربين في ذاته وابتلاه الله في إبنه، بأن أمره بذبحه، فأسلم وصبر فعصمه الله تعالى من النار، وأورثه الأرض المقدسة وكثر ماله وأنمى ولده، وجعل فيهم النبوة والملك، وأزال عنه الأمر بذبح الولد، وفداه بذبح عظيم، وجمع عليه الاسم فلا يكذبه أحد منهم بل يؤمنون به ويطيعون، وكل ذلك ترغيب له ما دام حيًا في الدوام على الطاعة، وترغيب لمن يتبع غيره في إيثار طاعة الله تعالى والصبر على ما يلقاه فيها من أذى يؤذيه وجفاء من يجفوه، فهذا أجره الذي أتاه الله في الدنيا وهو أجر الترغيب والبشرى فيما هو قادم عليه في الدار الآخرة، فهذا وكل نعمة أنعمها الله تعالى على أحد من مال أو غيره فسبيله ما ذكرت.
ألا ترى أنه لا يخلو فيما أنعم الله عليه من فرائض تلزمه، فلو كانت غرضًا لسعيه وعمله الذي قدمه، لكان من حقه أن يكون محلى وإياه يعمل به، وفيه ما يريد، ولما لم يكن كذلك، بل كانت لله عليه مطالبات، علم أنها ليست غرضًا لما قدم من بر وطاعة، وإنما هي من جهة ماله فيها من الرفق ترغيب وتحريض على الثبات والدوام، ومن غيرها إنعام مبتدأ سبيله أن يشكر الله تعالى ويؤدي حقوقه منه، وما كان هكذا لم يستحق أن يكون جزءًا بالإطلاق، وبالله التوفيق.
ونقول من غير هذا الوجه إن قتل الكافر ليس يجوز أن يكون جزاء الكفر لأن القتل يجب بكفر ساعة كما يجب بكفر مائة سنة جزاء له، لأن عظم ما في القتل موت القتيل، ثم الذي يصل إليه قبل خروج الروح.
ومعلوم أن الموت لا بد منه، فإنه مدرك كل احد، فلم يجز أن يقال: إن الموت جزاء له ولا حد سواه، فلم يبق إلا الألم، وذلك المقدار من الألم مما لا يشكل على ذي عقل أنه لا يوازي كفر مائة سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل جزاء لكفر الكافر.
وكذلك الزاني لو زنى ثلاثين سنة، فبطل بهذا أن يكون القتل وإفساد حرم الناس وهتك أستارهم وتلويث أنساب أولادهم.
والشارب لو شرب سبعين سنة وهو لا يحتقر أراد الإمام حده، لم يزده على أربعين جلده.