فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 1140

فإن قال قائل: إن حركة الفلك حركة دور وحركة الدور لا بدء: ولا نهاية، فكيف؟

فالجواب: أن هذا جهل عظيم! لأن حركة المنحنون وحركة الرحى حركة دور، ولا يخلو الواحد منهما أن تكون لحركته بدء ونهاية.

لأنه من قبل أن يتحرك يكون ساكنًا ثم يعود بعد حركته إلى السكون، فمن استحال أن تكون لحركة الأفلاك بدء ونهاية، وإن كانت حركة دور.

ويقال له: حركة دور الدور لا تخلو من الابتداء لأنها إذا لم تكن ثم كانت ثم انقطعت، فقد وجد الابتداء والانتهاء ضرورة.

وأما الذي يصح أن يقال في هذا أن جزءًا مما يتحرك حركة الدور لا يسبق الحركة إليه قبل جزء، فتكون الأجزاء لا أول لها من حلول الحركة إياها، ولسنا ندفع أن يكون ذلك حال الفلك.

وأما الحركة نفسها ببدئها وانتهائها فيما بينا عيان، فكان حكم الغائب مثله والله أعلم.

ويقال: إن المتحرك دائمًا دائم التغير، والموجود لذاته لا لسبب لا يجوز عليه التغير، فلو كان الفلك موجودًا لذاته لا لسبب، لم يجز أن يكون دائم التحرك فيكون وقتًا فوق الأرض ووقتًا تحت الأرض، ولم يكن لونه فوق الأرض حين يكون فوقها أولى من كونه تحتها، ولا كونه تحتها حين يكون كذلك أولى من كونها فوقها، فثبت أنه موجود لسبب، فإن الذي له حده هو الذي يدبرهما يؤخذ عليه.

وأيضًا فإن الأفلاك طيات معدود، وإذا ثبت العدد أثبت التناهي، وفي ذلك ما يوجب حدتها.

وأيضًا فإن الأفلاك أجزاء من السماء متحركة، وفي ذلك بيان أن بعض السماء متحرك وبعضها ساكن وكل واحد منهما حد للآخر، فإن الجزء المتحرك منها ينتهي إلى الساكن والجزء الساكن منها ينتهي إلى المتحرك، فقد ثبتت النهاية للبعضين، وفي ثبوت المتناهي بطلان أن يكون بطلان موجود لذاتها لا لسبب وبالله التوفيق.

وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين؟ لأن أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعًا من الإستحالة، وكذلك الماء والهواء لأن أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة ويفترق أخرى وينقل من حال إلى حال وفي ذلك شيئان: أحدهما أن ذلك يبين أنها ليست موجودة لأنفسها من غير سبب، لأن الموجود لنفسه لا يجوز عليه التغيير، فإنا إذا توهمنا له صفة ما وجب أن يتوهمها ثانية له لنفسه كالوجود، فإذا ثبت له ذلك الصفة لم يجز أن يعدم إلى خلافها لأن ذات القديم لا يجوز أن تكون محلًا للحوادث، وفي تعاقب الأحوال المختلفة على أجزاء ما ذكرنا دليل على أنها غير موجودة لأنفسها.

والآخر: أنها إذا لم تكن قط منفكة من الحوادث، فقد وجب أن تكون بأنفسها حدثًا كما ثبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت