وأي واحد من هذين كان المراد ففيه البيان لحق الرحم.
لأنه بين لهم في التأويل الأول أن حق القرابة هو الوصل لا القطع والنصر لا القهر.
وبين في التأويل الآخر أن قرابة الرجل تجري مجرى نفسه، ألا ترى أنه احتسب ودهم لقرابته ودًا لهم، وقضاء لحقه.
فمن قطع قرابته فكأنما يقطع نفسه ويمنعها من النظر لها حطة.
وقال الله عز وجل: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} .
فلما حرم عليهم موادة الكفار أخبرهم أنها لا تحل بحال، وإن كان الكافر ذا قربى ورحم.
فلولا أن حق الرحم أن يوصل وحكم القرب أن يرعى ما دلهم على عظم الذنب في مؤاخاة الكفار، فإنها لا تحل وإن كانت بمكان قريب أو ذي رحم.
وإذا بين ذلك لهم بان أن القربة لهم والرحم لا يطلقانه ولا يسوغانه، دل ذلك على أنهما مقتضيان للبر والصلة، لولا أن الكفر إذا عرض أبطل على الكافر كل حق وأفسد عليه من الخير كل حظ والله أعلم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم -، قال الله تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» .
واحتمل قوله «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي» إن الرحمن والرحيم إسمان مشتقان من الرحمة.
فأنا الرحمن لما وسع كل شيء من رحمتي وهي الرحم، لأن الجواز في الرحم موجب للرحمة، فمن عرف هذا الحق جزيته به خيرًا، ومن أغفله حرمته ذلك الخير.
يدل عليه ما روي أن عمرًا رضي الله عنه قال على المنبر: تعلموا من أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، فوالله أنه ليكون بين الرجل وأخيه تنازع ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخله الرحم لردعه ذلك عن انتهاكه.
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» .
قال أبو ذر رضي الله عنه: أوصاني خليلي صلوات الله عليه أن أصل رحمي وإن أدبرت.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من أجله ثلاثة أيام، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة.
وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطعه إلى ثلاثة أيام».
وهذا تفسير ما جاء في حديث آخر «من سره أن ينسأ في أجله ويزداد في رزقه فليصل رحمه» .
ومعنى الحديثين جميعًا: أن من الناس من قضى الله له بأنه أن يوصل رحمه عاش عددًا من السنين مبينًا، وإن قطع رحمه عاش عددًا دون ذلك، فإذا أظهر أمره لملائكته أمر ملك الموت أن تقبض روحه عند انتهاء أول العددين، فإذا دنا ذلك يتفق له أن يبر رحمه ويصلها، فيأمر الله تعالى أن يؤخره إلى الأجلين.
فنهى ملك الموت إلى أن يقبض روحه، فيقال قد زاد في عمره أو يكون عند ملك الموت أن عمر واحد لا ينتهي إلى سنين فيتفق منه أن يقطع رزقه، فيأمر الله تعالى الملك أن يقبض روحه، فيقال: قد نقص من عمره.
والمعنى أنه زاد على ما كان عند الملك ونقص ما كان عند الملك.
فأما ما كان عند الله من أنه عمر بعمره وينفيه في الدنيا وفي أي وقت يقله عنها فلم يختلف، وهو إن كان قضى عليه بأنه وإن وصل رحمه عاش كذا، وإن قطع رحمه عاش كذا، فلم يخفى عليه أن يصل أو يقطع فكذلك لا يخفى عليه أنه أي العددين يعيش، وبالله التوفيق.