قال: ثم بعد حين دخل السلطان إلى"فاس"فكان أول ما فعله أحمد بن موسى، أن اعتقل المهدي المنابهي، ومحمد أنفلوس الحاحي، والجيلاني الزرهوني، الذي صار بعد ذلك الثائر أبا حمارة، وكثيرا من عبيد الشريف مولاي عمر، والسبب في ذلك: أن مولاي عمر هذا كان له حرص على أن يتولى بعد أبيه مولاي الحسن، وكان عالما مقتدرا معتزا بنفسه، فلما بويع مولاي عبد العزيز، وطلع أهل فاس بالوفد، ومعهم النساء يتبعن الوفد مزغردات على العادة، ليهنوا إلى الخليفة السلطاني الفرح بالسلطان الجديد، غضب مولاي عمر في نفسه حين لم يعين هو سلطانا، فأمر أصحابه وعبيده أن يحملوا على الوفد بالضرب والتنكيل، فقابلوه بالهراوي والأحجار، ولذلك جازاهم أحمد ابن موسى بما فعلوا الجزاء الأوفى، ومن بين الفاعلين لذلك: من تقدم اعتقالهم، وأما مولاي عمر فقد ضاق به الحال حتى مات وشيكا.
في قيد الجند:
كان لمترجمنا هذا في المعارك التي دارت حول مراكش جولات عظيمة مذكورة، تعجب منها الحاضرون، وتعجب منها السامعون حتى لا يسمع إلا أن بوشنتوف أي: صاحب الوفرة، هو الرجل العظيم الشجاع الذي لا يهاب الموت، وقد كان شعر رأس صاحبنا لا يزال موفورا كشعور الصحراويين المرسلة، فكانت تلك المعارك وما حواليها من معاملاته لرؤسائه مما أطار سمعته في الشجاعة وحسن الأخلاق، وقد أعجب به الباشا عباس بن داود، والباشا ويدة باشا قصبة مراكش، وهما رئيساه إذ ذاك، ولذلك ما كادت هذه الحرب تهدأ حتى تنادى الباشوان وأمثالهما: بأن الناجم يجب أن لا يفرط فيه، ولا بد أن يتولى على جند يقوده بشجاعة، ومن أمثال العامة المأثورة:"أن مائة جعل تقودها عقرب كلها عقارب، وأن مائة عقرب يقودها جعل كلها جعلان"، ولمضرب هذا المثل قال هذان الباشوان ما قالا لما أعلنا: أن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من المخزن، وأن مثله من يقود الناس في المعارك، ثم أظهرت الأيام: أن القائد الناجم أقدر رجل على قيادة الناس في المعارك