ولما دخلنا مراكش ومررنا بجامع الفناء، اشترينا الخبز المراكشي المصنوع من القمح، واشترينا معه الزيت لنتغذى بهما، فصار القائد ومن معه يقلبون بين أيديهم ذلك الخبز، ويتعجبون من ليونته وصفاء منظره ؛ لأنهم لا يعرفون من قبل إلا خبز الشعير الأسمر أو خبز الذرة، وقل في بلادنا من يعرف خبز القمح في غير بعض الدور المثرية، ثم سألنا عن مكان نزول القواد البعمرانيين، فقيل لنا: أنهم بدار الصابون، فقصدناهم فوجدنا القائد محمد الجراري، والقائد أحمد بن همو الخلفي البعمراني، فجاءهما الغداء من دار المخزن، وكان الذي يدفع الطعام عن المخزن هو المحتسب مولاي عبد الله السوارت"بمعنى المفاتيح لقب بذلك"، والطعام المعتاد هو الإسفنج والسمن والعسل صباحا، وطواجين اللحم المتعددة وطباسيل الكسكس باللحم للغداء، ومثل ذلك للعشاء، وكانت تلك هي العادة الدائمة لأضياف الحكومة، ثم طلع القواد إلى دار المخزن في اليوم الثاني، وقد أركب القائد الجراري أصحابنا هؤلاء على بغاله، فقيد القائد نفسه عند الحكومة، بأنه ورد هو وأصحابه، وأن له ست عشرة بغلة يتنفج بذلك لئلا ينظر إليه بعين الاحتقار، مع أمنه من إجراء البحث عما يدعي أصدق هو أم كذب، فصار العلف يأتيه على ذلك القدر كل يوم من عند المخزن من الشعير، ونفذت له الدار لنزوله والمئونة على العادة، فكنت أطلع أنا وصاحب القائد فنأخذ العلف من بعض أهراء الحكومة، ونبيعه ونأتي إلى القائد بالثمن، وقد كان على رأسي خصلتان من الشعر، كل خصلة على فود، فكان الخزان الواقف على توزيع الزرع من المرس (محل المطامير) يناديني، يا صاحب قرون المعزة خذ، وربما قدمني على غيري لاستئناسه بما يخاطبني به.
قال: وذات يوم صادفت الشريف الذي رافقنا في السفر، وسرق كسوة القائد فلاطفته حتى أدخلته إلى الدار التي نحن فيها، وأغلقت عليه الباب بالقفل، خادعته كما خادعني، وهذه بتلك، والبادي أظلم، فبقي