الحادي عشر: محمد بن بيروك:
كان لبيروك من الذكور أربعة عشر ولدًا، منهم: محمد، والحبيب، وعابدين،
ودحمان. أكبرهم محمد، هذا الذي خلف أباه في الرياسة، قد فاق أهله في الرجوع إلى الله، وفي الكرم العربي العجيب، وقد عاصر سيدي محمد بن عبد الرحمن الملك، وتعرف به، وعرفه بهذا الكرم، ولا تزال قصعة من قصاعة إلى الآن متباعدة الأرجاء. يملأها بالكسكس كل عشية، إزاءها مناد، يستدعى كل من أراد أن يتعشى في سبيل الله، وقد قام بالفلاحة العظيمة، وبالتجارة كأبيه. إلى أن ضعفت الفلاحة في آخر عهده، بوصول طلائع (الصحراء ) إلى (وادي نون ) ، فذهب إلى (الطرفاية ) ، فسكن هناك نحو 1290هـ، فكان هو السبب في فتح المرسى هناك، فظهر هناك التجارة الأجانب من الإنكليز بادئ ذي بدء، هو والزركيون. وقد كانت مجاعة فانتعش الناس بالأرز من تلك المرسى، فاهتزت الحكومة المغربية لبروزها هناك 1295هـ، فتسبب عن ذلك أن أعمل الملك مولاي الحسن ملك ذلك العهد ركابه 1299هـ ليسد هذه الثلمة. والمترجم، إذ ذاك، متوفى نحو مفتتح 1297هـ. وقد كانت هذه السيئة نكتة سوداء في صحيفة الأسرة البيضاء؛ لأنها فتحت بابا لم يسهل سده بعده، وقد كان أخوه الحبيب مضى أشواطًا في هذا السبيل. فقد كان في أيام سيدي محمد بن عبد الرحمن حينا عند (أولاد تيدرارين ) ، فجاءوه بأسباني خطر هناك نزل من البحر. يطلب من يعقد معه عقد متاجرة، فرفع له رأسه بذلك. وواعده مرسى (سهب الحرشة ) ، وأن يحضر له الصوف والجلد والشعير. فقام الحبيب ينادي في الناس ليشتري منهم ذلك ليربح منه، فأرصد السلع الكثيرة مما اشتراه في هذا المرسى، فإذا بالأسباني تخلف عنه، حتى فسد كل ما جمعه. فرجع إلى داره في (أكلميم(. وفي يوم دخل عليه الأسباني وصاحباه، وقد جاءوا من طريق(السويرة ) على البغال. فقال لهم الحبيب: إن مالي قد ضاع، وزعم أنه مائة ألف ريال، وأنتم معتقلون هنا حتى أتوصل به كله. فأرسل الأسباني إلى