كان أمغار بلّا تَردد مرارًا إلى الشيخ الإلغي زائرًا، مع صقر قبيلة (أيلالن ) الحاج محمد أزبابو (1) ، وكان هذا يمر به دائمًا متى توجه بركبه الذي يتوجه به في كل سنة أول أمره لزيارة شيخه الإلغي، فكانت الرئاسة هي الطوق الذي تضمهما معًا إلى الزاوية (الإلغية ) ، وكان أمغار بلا لم يزل على عهد الجيشتيمي وطريقته الناصرية، ولا يبتغي بها بديلا، إلا أنه يغتنم الدعوات في كل مكان هبت منها نسماتها، أو سنحت منها اقتناصتها، لم يملكه التعصب الذي يسود بين أهل الطرق، فغاض ما بأيديهم، وتصوحت زهور رياضهم حتى صارت غثاء أحوى، تذروه الرياح من كل صوب. حكي لي أنه كان مرة عنده في الزاوية (الإلغية ) ، وقد خف القطين وزمت الركاب، وخرج الشيخ ليودعهم، فرأى أصحاب الحاج محمد أزبابو، فاستدعاهم يعظهم ويذكرهم آلاء الله ويستتيبهم، ويلقنهم الأذكار على مبدئه الذي يعلنه دائمًا: أن قد كفاني من غافل أن يقول (لا إله إلا الله ) ولو مرة. ثم لما مشى معهم الشيخ ليودعهم أمام الزاوية مر أمغار بلا وهو يماشيه بشجرة تين، فقال: حتى هذه لقن لها الذكر يا سيدي، فقد تفي هذه بالعهد، ولا يفي به واحد من هؤلاء، فإن هؤلاء يا سيدي إنما أزجاهم رئيسهم هذا مرغمين أو كالمرغمين، وليست لهم أية نية فيما تدعوهم إليه، وهم منه بمنزلة الأرض من السماء، فبينما هو يقول ذلك للشيخ
(1) تقدم ذكره في (الجزء السادس عشر) .