كان الشيخ سيدي أحمد الفقيه الركني يذكره كثيرًا، ويثني عليه دائمًا، ويحكي من أقواله الحكم العجيبة، كما كان غيره ممن صاحبوه كذلك، وأبرز أحواله: الزهد, والإعراض عن الدنيا. وقد كان من عادته إذا كان في بلده أن يتأخر في مسجد القرية بعد صلاة العشاء قليلا، فلعل ضيفًا من أبناء السبيل يقصد المسجد ولا يعرف أحدًا في القرية، فيذهب به إلى داره. وفي ليلة ذهب بطالب إلى داره، فحين أكل معه ما تيسر رأى عليه سمى الخير وآثار التعب من المشي في السفر الطويل، فقال له: إنني أراك في إعياء كثير، فإن ظهر لك أن تبقى عندنا حتى تستريح إن قنعت بمعيشتنا الساذجة هذه فمرحبًا بك، فبعد ثلاثة أيام قال له الضيف: إنني رأيتك على حالة حسنة بينك وبين ربك، مع ما أنت فيه من قلة ذات اليد، فالآن انظر كل ما في مقدرتك من أطراف الحديد والنحاس وأمثالهما من المعادن، فائت بالجميع، فإن الله أكرمني بأن يتحول كل
ذلك على يدي ذهبًا (1) ، لتستعين بذلك على ما أنت بصدده من الانقطاع إلى الله وعبادته. فأصاخ له المترجم حتى استوعب كل ما قال، فرفع إليه بصره، وقال له: أنت يا سيدي, على ظهر سفر، فإن ذهب عنك الإعياء, واستطعت أن تستمر في سفرك، فهيا بنا لأودعك، وأما ما تذكره فإننا تلاقينا مع رجال يحرصون على أن ننفض أيدينا مما يكون تحت أيدينا، فضلا عما ليس تحت أيدينا.
(1) كثير من الناس يظنون أن تحول لون هذه المعادن إلى لون الذهب خرافة. مع أن الألمانيين أدركوا ذلك وأعلنوا أن ذلك صحيح . وما ذلك إلا بتحول لون إلى لون بمعالجة خاصة حتى لا يفرق بين لونه وبين لون الذهب الأصلي حتى في المعيار ( نعم ) معالجة ذلك صعبة.