ولم تكن تلك الخرق تباع إذ ذاك، وإنما تلقى مع الكناسات، فيتتبعها هو وأمثاله من مطارح الكناسات، فيملأ منها أكياسًا تضم خرق الملف والصوف والكتان، فيخيط منها مجتمعة مخيطة مرقعات لإخوانه الفقراء. وفي يوم كان في الزاوية الإلغية، فوقعت كرامة من الشيخ الإلغي، فطلب منه كل فقير نصيبه من الإكرام، على عادة الفقراء، فقال للمترجم: إن إكرامك أنت أن تذهب اليوم إلى دارك، وتلازم أهلك مدة شهر، لا تبيت إلا معهم، وقد كان كثير السياحات، قلما يبيت عند أهله، فرأى الشيخ أن يكرمه ويكرم أهله بأداء حقوقهم، ولذلك أمره أن يلزم داره في هذا الشهر. ثم بعد أن تم الشهر رجع إلى الشيخ وقد خاط، على عادته ، مرقعة جمعت من كل الألوان، فطلب من الشيخ بدوره أن يلبسها حتى تنقطع، فتبسم الشيخ، فقال له: ألم تعلم أننا متدربون على لبس أمثالها أيام التجريد؟ قال الفقير الزكري الحاكي: فلم يزل الشيخ يلبس المرقعة حتى تقطعت، وكان المترجم يظن أن الشيخ سيستنكف من لبس مثلها.
وقد كان يسيح في حياة الشيخ سيدي سعيد المعدري, وبعده صار يتردد بين إخوانه: الشيخ الإلغي، والشيخ التاموديزتي، والشيخ مولاي أحمد الوادنوني، وقد قال يومًا أثناء محادثة للشيخ: فعلتم أنتم المشايخ المربين وفعلتم. فقال له الشيخ: وأنت, أيضًا, شيخ مرب معنا، فإنما نربى نحن بأقوالنا وأفعالنا، وأنت وأمثالك تربون بالأحوال جميع أصحابنا لأنكم تخالطونهم دائمًا، وتوجهونهم بأحوالكم.