ومن أخبار الشيخ: أن من عادته أن يلبث مع الفقراء في داره حتى لا يبقى فيها شيء، فيخرج بهم إلى السياحة، ولم يكن يعتني بالكسب ولا بالحرث، وقد كان أعتق عبيده، فبقي أحد عبيده المسمى (محمودًا) مع أمة، يعتنيان بالحرث للزاوية، وذلك كل ما تقوم به الزاوية، وقد كان للعبد دار، ولكنه مع ذلك يقوم بالزاوية، وكان كل ما أتى به الفقراء لا يدخل إلى الدار، وإنما يتوصل به مؤذن الزاوية الفقير علي بن مسعود، فيصرفه على الفقراء، ولا يراه الشيخ ولا يعتني به، ولا يملك من البهائم دائمًا إلا بقرة، وهناك حمارة للفقراء يركبها من يضعف على المشي. وأما الشيخ فإنما يمشي دائمًا على رجليه، وينفرد بأحد الفقراء يذاكره ما دام سائرًا، وليس له زي يختص به بين الفقراء، فليس عليه إلا قميص ورداء، ولا عمامة ولا سلهام، والقميص قد يكون من الكتان، والغالب أن يكون من الصوف، ولم يكن، كذلك، يعتني بالمسكن الذي هو فيه، وقد كان أحد جدرانه يكاد ينهار، فمر به الشيخ سيدي الحاج علي يومًا، فقال: لماذا لا تصلحون هذا الجدار؟ فقام الفقراء إلى إصلاحه من غير إذن سيدي الحاج الحسن، فلما بلغوا به
الأعالي انهار بهم جميعًا. فقال لهم المترجم حينئذ:ابنوه الآن بناء تامًا، كأنه يقول لهم: إنكم أبيتم إلا أن تشتغلوا به فاشتغلوا به الآن من أساسه. ومر به الشيخ سيدي الحاج علي أيضًا يومًا، فقال للشيخ سيدي الحسن: لماذا لا تحفرون هنا في جنب الزاوية بئرًا يستقى منها الفقراء، فلا يستقون من البئر العامة التي قد تكون النساء إزاءها؟ فقال له سيدي الحاج الحسن: إن المانع من حفر هذه البئر أن هذا المكان لا يزال لإخواني فيه حظ، وأخاف أن يتسبب عن حفر البئر فيه شنئان منهم، وأما الفقراء فمن لا يغضي منهم أو لا يغض طرفه فليس بفقير.