رجل أسمر، طويل اللحية، ناتئ الجبهة، أشم، غائر العينين، ربعة؛ بين الطول والقصر، لم يكن ببادن ولا خفيف اللحم، متوسط بين ذلك، قليل الشعر فيما سوى اللحية، ذكي ممتلئ ذكاء وفطنة، كأنه ينظر إلى الأمور من وراء الغيب بستر رقيق، لا يخدع، وهو أعقل من أن يُخدع، جواد لا يمسك شيئًا. وهو الذي برأ لي نفسي، وشقق لي خمسي، وهو الذي أدين بدينه حتى في حلول رمسي. إنما أنصفته بالذي وصفته، بل هو أعظم وأعظم من الذي به شنفته، فإنه بحر زخار، ورجل لهوى نفسه نحار حتى كان التكليف لم ينزل إلا عليه، وكان الحديث لا يساق إلا إليه. رجل نصب الجنة والنار بين عينيه، بل ترقى حتى زج به في بحر الأحدية، واستهلك في عين بحر الوحدة. أرض الجسم، عرشي الروح، عارف بأوحال التوحيد متنكب عنها، عارف بأوعار الطريق ومتجنبها. إن خبرته في الحقيقة فجذيلها المحكك، أو في الشريعة فعذيقها المرجب، جامع بينهما، دراك لغوامضهما، حامل لأعبائهما، رافض للدعة ودواعيها، طلاع أنجد المحن ونواحيها، نابذ للراحة في البواطن والظواهر، حامل في ساعاته على قول الشاعر:
الجد بالجد والحرمان في الكسل *فانصب تصب عن قليل غاية الأمل
يفرح بالرزايا كما يفرح غيره بالمزايا، ويترقب المحن كما يترقب غيره المنن، عملًا بحديث: (( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ) ) . وكأن لسان الحال ينشد فيه:
ماذا أقول وقولي فيك ذو حصر *وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لازلت مرفوعًا فأنت كذا *أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
يجذب القلوب إليه كما يجذب المغناطيس الحديد، ويعترف بذلك كل ذكي رآه وبليد. فريد عن الخلان، ولم يساعده واحد من جميع البلدان:
فريد من الخلان في كل بلدة *إذا عظم المطلوب قل المساعد
فضح من قبله، وأعيًا من بعده، فلا يشق غباره، فضلًا من أن تدرك آثاره).
انتهى ما وجد بخط العلامة الصوفي أبي فارس في شأن المترجم جنيد العصر باتفاق.
قولة ابن مسعود فيه: