كان وحده منفردًا عن المحاشم والمكالم. رأيت ذلك، والله، من نفسي، وأشهد باليقين لا بحدسي، عادة الله في أوليائه وأحبابه وأصفيائه، يذكرون الله بالرؤية، وإن صدئت مرآة الرائي بلا مرية. وأنشد فيه ما قيل وإن تفد عني المقيل:
يا واحد الأمة في علمه *لقيت من ذي العرش غفرانا
لا يبعدنك الله من ميت *أورثنا علمًا وأحزانا
وفي شهر موته نزل عند القائد عبد السلام الجراري، فزرته عنده وأنا على حذر من أن يلقنني الورد، فكاشفني، رحمه الله، ولم يزد على أن قال: أنت هذا يا فلان؟ فقلت: نعم، يا سيدي. ثم قال لرجل من ناحيتي: ما تصنعون يا فلان؟ فقال له: يا سيدي، كنا مجتهدين نلتقي في الزاوية بالذاكرين، وحين نزل علينا الكيلولي كدر قلوبنا وحل عزمنا. فقال: كيف صنعتم بالنبات عام الجراد؟ فقال: أكل ما بين أيدينا، فطار بعد ما به بلينا. فقال: كذلك المخزن؛ ما دام عندكم شيء لا يزال يسلط عليكم فكلوا معه ما عندكم تستريحوا. ثم قال: إذا انفج الصائدون الأرنب فتبعته الكلاب وفي أثرهم الركاب، وبأيدي الرجال العصي يهرعون خلفهم كالذئاب، فماذا ترى يصنع الأرنب، ليس له إلا الجد في الهرب، ولو استرخى لعلى ظهره انقلب. كذلك ابن آدم؛ تطرده الليالي والأيام، وتجاذبه الأسقام، ولا حيلة له حتى يصيده الحمام. أيتوانى من هذه حاله، ويترامى به محاله؟ والله، لقد عجزنا. قاله ثلاث مرات، وذلك يوم الخميس. فخرج يوم الجمعة قبل الزوال، ونزل في (الكصيب) يستقيل، فأصابه مرض الحمام، وحملوه لزاويته بـ (أيدغ) فقضى نحبه. وقد أعلمنا الله بالختام، بحلفه بالعجز في ذلك الكلام، لو كنا عاقلين ولكن من الغافلين. أرشدنا الله للصواب، وعرفنا فضل أولي الألباب، بجاه من له الكلام الإعجاب، محمد سيد من تاب وأناب، وغير ذلك مما لو أسلت به ريق اليراع لأداه إلى التطويل. ولصاحب الترجمة اعتناء بالإرشاد، واهتمام في إصلاح العباد، والتعليم لهم في كل ناد. فلما رأى العجمة استحكمت في