سلم له الصلاح من غير تلاح، واشتاق للمعالي وارتاح، ومن نكد الدنيا استراح، فطاب له الغدو والرواح، واستكفى بالراح عن الراح، واقتاد عويص الانقياد بالراح. فأراح قلبه من الأغيار، وخلا بمجالس الأخيار، ولم يخطر بباله جمل ولا حمار، ولا خوف ظالم جبار، يغصب الحقل وأموال التجار، ترك لهم الدنيا، وسلموا له في الأخرى. لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا ابتلى بمن يبكي عليه عند حتفه، بل قدم الأولاد ولم يعقب الأحفاد، ثم كتب المؤلف في طرة نسخته أنه أخبر بعد ذلك أنه خلف بنتًا واحدة بعده ،على عادة الله في الأقطاب، ممن ليس لهم في الوجود أنساب. فادخر أجر المصيبة، فكانت إصابة أي إصابة. جرده المولى عن كل شي، وأغاب عنه كل حي، فلم يدر في الوجود إلا الحي، فأدام المراقبة وجانب كل غي. منة من الله لا تنال بالاجتهاد، ولا بالغناء والرقص بين الأنداد، بل بفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولو تتبعت أوصافه وغرقت في بحرها أطرافه، لملأت للمائح أظرافه، ولا يتعب بالخفض والرفع أطرافه. أخذ الطريقة عن الشيخ سيدي سعيد المعدري، فملأ تاموره بالحب العذري، وحاله ينشد:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر *ولا تسقني سرًا إذا أمكن
فكره له القضا، وكان سيفه فيه مضى، فندم واستقال، واستغفر المتعال، ونسج على ذلك المنوال، إلى أن ناداه الترحال، فأنشد حاله وقد طاب ترحاله:
سلام على الدنيا سلام مودع *إذا عاش من أهوى فإني قد مت
وذلك في أواخر شعبان عام 1316 هـ 27 من الشهر، كما تقدم، ودفن بـ (أيدغ) في بلدة (أولاد جرار ) ، ثم نقل ليلًا لبلدته (تاموديزت) بـ (بعقيلة) . قيل: إنه لم يتغير إلا بذبول بدنه، ولحيته باقية كما بخط الأدوزي. وكان صاحب الترجمة يقرض الشعر، فاطلع مرة على قصيدة لبعض الفقهاء
أهدى فيها لبعض الولاة غاية الإطراء، وهو سيدي الحبيب البوسليماني للكيلولي، فقال وقد أنكر ذلك القال: