ومما يتعلق بهذا الشيخ: أنه بات مرة عند تلميذ سيدي سعيد بن همو، سيدي محمد بن الحسن التاضكوكتي الأكماري المسمى بالمجذوب، فرأى عنده قنديلًا معلقًا بحبل، وقد غرز الحبل في الحائط بوتد عود، والعادة أن يعلق بسلسلة من حديد ويغرز بمسمار من حديد. فأعجبه ما رأى من الفقير وتبسم، فقال: هذا هو التصوف، وهكذا أفعال الصوفية، لا يتكلفون. ((أنا وأتقياء أمتي برءأ من التكلف) ). وسأل يومًا هذا الفقير: في أي شيء يسخن ماء الوضوء؟ فقال: إنني فقير مملق لا يتسع حالي لشراء الأواني الكثيرة، ولذلك لا تكون عندي إلا قدر واحدة، ففيها أقضي كل ما أتوقف عليه من طبخ وغيره. فأعجب ذلك سيدي الحاج الحسن، فقال: الأمر أعجل من ذلك. ومن مثل هذه الأقوال منه يتبين متجه نظره، وأنه من فريق العباد الزهاد الذين يلزمون حالة واحدة، وليس من الفريق الآخر الذين يطلق عليهم بلسان أرباب الفن اسم: العارفين، فلا يتقيدون بأمثال
هذه الأوصاف دائمًا، بل يتقلبون في أحوال شتى، اقتباسًا من حال النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي كان يصلح لكل حال، ولا يتقيد بوصف خاص، فيتوسع إن أمكن، وإن عنَّ غير ذلك لبس له لبوسه؛ فينام ويقوم، ويصوم ويفطر، ويتكسب، ولا يأبى من الطيبات ما يجد.
هكذا يقول أرباب الفن الصوفي. ولم نذق ذلك حتى نحكم برأينا، وإنما نذكر ذلك تقليدًا، ونعوذ بالله من أن نلبس ثوبى زور.