أقبل سيدي الحاج الحسن على الإرشاد بهمة عزوف، فكان لحاله تأثير غريب؛ لأنه لا يعدو شملة صوف، ويركب على أتان إن احتاج إلى الركوب، ولا يعرف بين أصحابه؛ لأنه لا يتميز من بينهم بشيء، وأما كلامه فله تأثير عجيب في قلوب سامعيه، وهو في كل لحظة يحاسب نفسه، ويحاسب أصحابه على النقير والقطمير محاسبة شديدة، فلا يمكن أن يلبس أو يأكل أو يتكلم أو ينام أو يجلس أو يقوم أو يربض في زاويته أو يسيح أو ينزل على إنسان، أو يأكل من طعامه إلا إذا كان كل ذلك موزونًا بميزان القسطاس الذي لا يغادر ذرة. فكان عارفوه يتعجبون كيف يتأتى لمن معه أن يصبر على تلك الحال الشديدة. ويقول سيدي إبراهيم بن المحجوب، من أصحابه الساحليين: إن مثل سيدي الحاج الحسن في شدة ورعه، وكثرة تضييقه على نفسه، وملازمته للمناقشة والمحاسبة في كل الأقوال والأفعال والأحوال وخطرات القلوب، مثل من ركز عكازه في الأرض فتسلقها حتى علاها، فإنه إن تمكن من الاستواء عليها، وتيسر له الدوام على ذلك، فإنه لا يمكن لآخرين أن يشاركوه في الاستواء عليها؛ لأنه لا يمكن أن يستوي عليها إلا واحد. هذا قول هذا السيد، وهو، والله، تصوير لسيدي الحاج الحسن جدير بالقبول، فإنه في إنكار النفس والتقشف وقول الحق، والاستقامة أناء الليل وأطراف النهار لعلى مقام عظيم، قلما يمكن لليراع أن يؤدي كنهه إلى القارئ كما هو إلا إجمالًا وضرب الأمثال، كهذا الذي ضربه سيدي إبراهيم بن المحجوب.
ما كان، رحمه الله، يقبل أن يوسم بمشيخة، ولا أن يشار إليه ببنان ولا أن يفتح لنفسه مقامًا يمكن أن يتسرب منه الناس إلى ذات نفسه، فليس هناك إلا الصلابة والأطراق والصراحة بالحق، والتجهم في وجه كل لذة، لكنه إذا جال في المواعظ فاستولى على أعنة القلوب، فإنه يظهر بمظهر ربيال يزار، ويقول لسان حاله: ها هو ذا مقامي، فمن أراد أن يعرفني كما أنا فليعرفني الآن. وقد رزق من حلقه رنة رقيقة تزيد كلامه تأثيرًا،