الصفحة 8222 من 9223

نشأ أديبنا في قرية لا تعرف إلا الصياغة، فكلهم صواغون، يصوغون الحلي على أنواعها من الفضة والذهب، وصنعتهم مشهورة، وعلى أحد صناعهم يعتمد ملوكنا اليوم في تحلية بعض ما يهيئونه للهدايا، من السيوف والخناجر والأسورة وما إلى ذلك، وقد كان المعلم الطيب والد صاحبنا من حذاق الصناع في ذلك، لكنه مع ذلك ممتلئ بحب القراءة والعلم، فمال بولده إلى ذلك، فبعد أن حفظ القرآن في مسجد القرية ألحقه بمدرسة شيخنا سيدي الطاهر بن محمد في ( تانكرت ) فهناك وجدته لما وردت إليها نحو مختتم 1332هـ فلم ينشب أن برز بين أقرانه فعوض أن يكون صواغا للحلي صار صواغا للقوافي، وقد رزقه الله أخلاقا لطيفة، وصبرا جميلا، ثم لما فرق الدهر بيننا بعد ما كنا معه هناك أربع سنين، رجع إلى أهله وقد انتقلوا قبل إلى قرية ( الدشيرة ) في ( المعدر ) فصار يعين والده في المعاش وقد كان تعلم الصنعة، وطالما صاغ للقائد الطيب الكنتافي ما شاء من أنواع الحلي، ثم صار رجل الأسرة فيخدم عنها حتى في الأعمال اليدوية التي تلزم بها الأسر إذ ذاك رسميا في الطرق والحرث والحصاد، وربما أملق إملاقا فيصبر، حكى لي الأديب سيدي الحسن الكوسالي أنه رآه مرة في سوق يعرض شملة خلقة للبيع، للاحتياج إلى ثمنها، فكان مع ذلك بسام الثغر، مستبسشرا غير عبوس رضي بالمقدر عليه، وقد كنت كلفته أن ينسخ لي بعض الكتب فوقي، بذلك، وقد كنت ألقاه متى زرت سوسا وأنا في ( مراكش ) إلى أن فرق الموت بيننا، وهاك الآن ما كتبه عنه بعض أقرانه في كتاب أدبي:

قولة بعضهم فيه:

عندليب روض أريض، رخيم الصوت، طيب الغناء، سكت ما سكت 425/18

426/18 فلما غنى أصاخ لغنائه كل طير تسنم فننا، ثم لم يكن إلا كلمحة طرف، أو ومضة برق، حتى ارتخت أجنحة العندليب، فمال على شقه، فإذا به جدث بلا نفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت