اتصل محمد بن الطيب التيزي بالشاعر الإفراني الكبير، فمشى وئيدا فمضت سنوات من غير أن يظهر في علم من العلوم وما هناك إلا مرح ولطف ووداعة، وخلق كأنما تجمد من أنفاس الأزهار المخضلة، وكان من بين ما يمرح به، تطلعه إلى بعض أدبيات، وقد يستوفي كتابا منها مطالعة، إن كان كتابا لطيف الحجم، أنيق العبارة، كابن خلكان، وقلائد العقيان ونفح الطيب، ولم يشعر من كانوا يصاحبونه أن نبغ بغتة، فأبدى نتفًا أدبية، تلتها قصائد، فإذا به يقول ما هو محكم اللفظ، سلس التعبير سهل المعاني، كأنما أقواله قطرات من أخلاقه الدمثة.
حداه سواق عنيف من ضروف الدهر، حتى انقطع عن المدرسة ( التانكرتية ) إلى أهله مرغما، وكانوا أسرة شبه فقيرة، وكان لا بد أن يقوم بنصيبه من السعي من بين أفراد الأسرة، فكان حينا من الدهر من بين عملة ترصيف الطرق، يؤدي خدمة الأيام التي تلزمه وتلزم أفراد أسرته، على حساب ما أرتأته الحكومة، فأنهك ذلك جسمه الرقيق النحيف وألح عليه حادث جديد مباغت في صيف سنة 1345هـ في الثالث من شعبان، فالتحق بالقبر بعد مرض قليل، كذلك تقوض ما تبقى من قوته، فسقط ذلك الأديب المنكود شهيد الميدان الحيوي، فذهب مبكيا على شبابه، وعلى معاشرته اللطيفة، وعلى شمائله التي كأنها فتور العيون الدعج من الحسان، وهكذا تأبى حرفة الأدب أن تفلت كل من اتصف بالأدب من كل الطبقات، وهي التي لم تفلت ابن المعتز ولا ابن عباد الملكين، فكيف تفلت محمد بن الطيب المسكين المدقع الذي لا يملك إلا قلمه وطرسه، والشمم التي يتسم به كل أديب حي.
أما آثاره فليس عندنا منها الآن إلا اثنان فقط أتحفنا بهما سعده، ولولا سعده الذي تعرف له اليوم، بقدر ما تنكر له أمس، لصار أيضًا بين الأدباء نسيا منسيا، ككثيرين نستحضر أسماءهم ونعرف مكانتهم في الأدب ولكن أين منا آثارهم ؟.
كتب إلى الأديب الحسن الكوسالي من أترابه في المدرسة ( التانكرتية ) صباح يوم: