الصفحة 7698 من 9223

كذلك مضى لنا ذلك النهار السعيد، وقد ألحفتنا السعادة بجناحيها، ولاحظتنا المسرة بعيونها، فرحمه الله من أديب ممتع المجالسة، حلو المؤانسة، لطيف الشمائل، رقيق الحاشية، متزن النبرات، وقد أطلت النظر إليه إذ ذاك، فرأيته رقيق البشرة، أبيض مشربًا بالحمرة، وعليه لباس أبيض رقيق هفهاف، فقلت في نفسي: لو لم نعرف أين مسقط رأس الرجل في سرة البادية السوسية، لحسبناه من أبناء الحضارة الفاسية.

* وما المرء إلا حيث يجعل نفسه * فمن كان أرقى همة كان أكبرا *

* فلم يتأخر من أراد تقدما * ولم يتقدم من أراد تأخرا *

قضينا ذلك النهار منفردين، إلا ما كان من ابنه، فإنه حضر معنا عند الغداء، ثم غادرنا، فقلت: هكذا يألف الكريم ويؤلف، فقد ألفني هذا 17/18

18/18 الرجل وألفته بسرعة، مع أن اتصالنا بالأجسام لم يكن إلا حديث عهد، ولكن الروح استأنست بصاحبتها، فسرعان ما تمازجنا، فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

وقد بلغني أنه يقول عني بعد ما فارقته: كل من أخذوا من السوسيين من ( فاس ) يرجعون متعالين متكبرين يتنكرون لنا، إلا فلانًا فإنه لا يزال في مسلاخ السوسيين كما نعهدهم، لم ينس سوسيته، ولا امتزجت به عنجهية من يتخرجون من ( فاس ) . ثم ذكرت حكاية سيدي محمد بن أحمد ( الدراخ ) الرداني الآخذ من ( فاس ) فإنه بعد ما رجع صار يتكبر حتى على مثل أبي العباس الجيشتيمي، فيتواضع له هذا ويذهب ليسلم عليه.

نفحات من أدبه:

أما نثره فإنه الترسل المسجع المحكم، يرصعه بالأبيات والأمثال والحكم، وأما شعره فكما تراه يطرق به كل ما سنح له، فمن نثره هذه الرسالة التي كتبها إلى العلامة القاضي سيدي الفاطمي الشرادي بعد مغادرته لـ ( تارودانت ) وهي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت